الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( وإن تمضمض أو استنشق فوصل الماء إلى جوفه أو دماغه فقد نص فيه على قولين ( فمن ) أصحابنا من قال : القولان إذا لم يبالغ : فأما إذا بالغ فيبطل صومه قولا واحدا وهو الصحيح ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للقيط بن صبرة : { إذا استنشقت فأبلغ الوضوء إلا أن تكون صائما } فنهاه عن المبالغة ، فلو لم يكن وصول الماء في المبالغة يبطل الصوم لم يكن للنهي عن المبالغة معنى ; ولأن المبالغة منهي عنها في الصوم وما تولد من سبب منهي عنه فهو كالمباشرة ، والدليل عليه أنه إذا جرح إنسانا فمات ، جعل كأنه باشر قتله ، ومن أصحابنا من قال : هي على قولين ، بالغ أو لم يبالغ ( أحدهما ) يبطل صومه ; لقوله صلى الله عليه وسلم لمن قبل وهو صائم { أرأيت لو تمضمضت } فشبه القبلة بالمضمضة وإذا قبل فأنزل بطل صومه فكذلك إذا تمضمض فنزل الماء إلى جوفه وجب أن يبطل صومه .

( والثاني ) لا يبطل ; لأنه وصل إلى جوفه بغير اختياره فلم يبطل صومه كغبار الطريق وغربلة الدقيق ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث لقيط سبق بيانه قريبا في فصل تحريم الطعام والشراب على الصائم وحديث قبلة الصائم وتشبيهها بالمضمضة بيناه قريبا ، [ ص: 356 ] أما حكم المسألة ) فاتفق أصحابنا ونصوص الشافعي رضي الله عنه على أنه يستحب للصائم المضمضة والاستنشاق في وضوئه ، كما يستحبان لغيره لكن تكره المبالغة فيهما لما سبق في باب الوضوء ، فلو سبق الماء فحاصل الخلاف في المضمضة والاستنشاق إذا وصل الماء منهما جوفه أو دماغه ثلاثة أقوال : ( أصحها ) عند الأصحاب إن بالغ أفطر وإلا فلا .

( والثاني ) يفطر مطلقا .

( والثالث ) لا يفطر مطلقا ، والخلاف فيمن هو ذاكر للصوم عالم بالتحريم فإن كان ناسيا أو جاهلا لم يبطل بلا خلاف كما سبق ، ولو غسل فمه من نجاسة فسبق الماء إلى جوفه فهو كسبقه في المضمضة فلو بالغ ههنا قال الرافعي : هذه المبالغة لحاجة فينبغي أن تكون كالمضمضة بلا مبالغة ; لأنه مأمور بالمبالغة للنجاسة دون المضمضة ، وهذا الذي قاله متعين ولو سبق الماء من غسل تبرد ومن المضمضة في المرة الرابعة . قال البغوي : إن بالغ أفطر وإلا فهو مرتب على المضمضة وأولى بإبطال الصوم ; لأنه غير مأمور به .

هذا كلام البغوي والمختار في الرابعة الجزم بالإفطار ; لأنها منهي عنها ولو جعل الماء في فيه لا لغرض فسبق ونزل إلى جوفه فطريقان حكاهما المتولي ( أحدهما ) يفطر ( والثاني ) على القولين ولو أصبح ولم ينو صوما فتمضمض ولم يبلغ فسبق الماء إلى جوفه ثم نوى صوم تطوع صح صومه على أصح الوجهين ; لأنه لا أثر لما سبق على الصحيح فكأنه لم يكن . قال القاضي حسين في فتاويه : إن قلنا : إن السبق لا يبطل الصوم صح صومه هذا وإلا فلا قال : والأصح الصحة في الموضعين . هذا كلامه وهذه مسألة مهمة نفيسة ، والله تعالى أعلم . قال الدارمي : ولو كان الماء في فيه أو أنفه فوجد منه عطاس أو نحوه فنزل الماء بذلك إلى جوفه أو دماغه لم يفطر قال أصحابنا : وسواء في المضمضة والاستنشاق صوم الفرض والنفل فحكمهما سواء على ما ذكرناه ، هذا مذهبنا ، وحكى أصحابنا عن النخعي أنه إن سبق الماء في وضوء مكتوبة لم يفطر وإن كان نافلة أفطر ، واستدل أصحابنا بأن المضمضة مأمور بها في وضوء الفرض والنفل ، والله تعالى أعلم . [ ص: 357 ] فرع ) قال المتولي وغيره : إذا تمضمض الصائم لزمه مج الماء ، ولا يلزمه تنشيف فمه بخرقة ونحوها بلا خلاف قال المتولي : لأن في ذلك مشقة . قال : ولأنه لا يبقى في الفم بعد المج إلا رطوبة لا تنفصل عن الموضع ، إذ لو انفصلت لخرجت في المج والله تعالى أعلم .

( فرع ) في مذاهب العلماء فيمن تمضمض واستنشق فسبق الماء بغير اختياره إلى جوفه أو دماغه . قد ذكرنا أنه إن بالغ فالصحيح عندنا بطلان صومه وإلا فلا وممن قال ببطلان الصوم مطلقا مالك وأبو حنيفة والمزني قال الماوردي : وهو قول أكثر الفقهاء ، قال الحسن البصري وأحمد وإسحاق وأبو ثور : لا يبطل مطلقا وحكى الماوردي عن ابن عباس والشعبي والنخعي وابن أبي ليلى أنه إن توضأ لنافلة بطل صومه ، وإن توضأ لفريضة فلا ; لأنه مضطر إليه في الفريضة ومختار في النافلة قال الماوردي : هذا ضعيف لوجهين ( أحدهما ) أن المضمضة والاستنشاق سنتان فهو غير مضطر إليهما في الفرض والنفل ومندوب إليهما فيهما ( والثاني ) أن حكم الفطر لا يختلف بذلك . ولهذا لو أجهده الصوم أكل وقضى ولو أكل من غير مشقة قضى ، والله تعالى أعلم .



( فرع ) اتفق أصحابنا على أنه لو طارت ذبابة فدخلت جوفه أو وصل إليه غبار الطريق أو غربلة الدقيق بغير تعمد لم يفطر . قال أصحابنا : ولا يكلف إطباق فمه عند الغبار والغربلة ; لأن فيه حرجا ، فلو فتح فمه عمدا حتى دخله الغبار ووصل جوفه فوجهان حكاهما البغوي والمتولي وغيرهما ، قال البغوي ( أصحهما ) لا يفطر ; لأنه معفو عن جنسه ( والثاني ) يفطر لتقصيره ، وهو شبيه بالخلاف السابق في دم البراغيث إذا كثر ، وفيما إذا تعمد قتل قملة في ثوبه وصلى ، ونظائر ذلك والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث