الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( ومن وطئ وطئا يوجب الكفارة ولم يقدر على الكفارة ، ففيه قولان : ( أحدهما ) لا تجب ; لقوله صلى الله عليه وسلم : " خذه واستغفر الله تعالى أطعم أهلك " أو ; لأنه حق مال يجب لله تعالى على وجه البدل ، فلم يجب مع العجز كزكاة الفطر .

( والثاني ) أنها تثبت في الذمة فإذا قدر لزمه قضاؤها وهو الصحيح ; لأنه حق لله تعالى يجب بسبب من جهته فلم يسقط بالعجز كجزاء الصيد ) .

التالي السابق


( الشرح ) هذا الحديث سبق بيانه . وقوله ( حق مال ) احتراز من الصوم في حق المريض فإنه لا يسقط بل يثبت في الذمة . وقوله ( لله تعالى ) احتراز من المتعة . وقوله ( لا على وجه البدل ) احتراز من جزاء الصيد . وقوله ( لأنه حق لله تعالى ) قال القلعي : ليس هو احترازا بل لتقريب الفرع من الأصل ، ويحتمل أنه احتراز من نفقة القريب . وقوله ( بسبب من جهته ) احتراز من زكاة الفطر . [ ص: 380 ] أما أحكام الفصل ) فقال أصحابنا : الحقوق المالية الواجبة لله تعالى ثلاث أضرب ، وقد أشار إليها المصنف ( ضرب ) يجب لا بسبب مباشرة من العبد كزكاة الفطر ، فإذا عجز عنه وقت الوجوب لم يثبت في ذمته ، فلو أيسر بعد ذلك لم يجب ( وضرب ) يجب بسبب من جهته على جهة البدل كجزاء الصيد وفدية الحلق والطيب واللباس في الحج ، فإذا عجز عنه وقت وجوبه ثبت في ذمته تغليبا لمعنى الغرامة ; لأنه إتلاف محض ( وضرب ) يجب بسببه لا على جهة البدل ككفارة الجماع في نهار رمضان ، وكفارة اليمين والظهار والقتل . قال صاحب العدة : ودم التمتع والقران . وقال البندنيجي : والنذر وكفارة قوله : أنت حرام ، ودم التمتع والطيب واللباس ففيها قولان مشهوران ( أصحهما ) عند المصنف والأصحاب تثبت في الذمة ، فمتى قدر على أحد الخصال لزمته ( والثاني ) لا تثبت ، وذكر المصنف دليلهما ، وشبهها بجزاء الصيد أولى من الفطرة ; لأن الكفارة مؤاخذة على فعله كجزاء الصيد بخلاف الفطرة . واحتج بعض أصحابنا للقول بسقوطها بحديث الأعرابي كما أشار إليه المصنف ; لأنه صلى الله عليه وسلم قال : " أطعم أهلك " ومعلوم أن الكفارة لا تصرف إلى الأهل .

وقال جمهور أصحابنا والمحققون : حديث الأعرابي دليل لثبوتهما في الذمة عند العجز عن جميع الخصال ; لأنه لما ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم عجزه عن جميع الخصال ثم ملكه النبي صلى الله عليه وسلم العرق من التمر ثم أمره بأداء الكفارة لقدرته الآن عليها ، فلو كانت تسقط بالعجز لما أمره بها . وأما إطعامه أهله فليس هو على سبيل الكفارة ، وإنما معناه أن هذا الطعام صار ملكا له ، وعليه كفارة فأمر بإخراجه عنها ، فلما ذكر حاجته إليه أذن له في أكله لكونه في ملكه لا عن الكفارة ، وبقيت الكفارة في الذمة وتأخيرها لمثل هذا جائز بلا خلاف . فإن قيل : لو كانت واجبة لبينها له عليه السلام فالجواب من وجهين ( أحدهما ) أنه قد بينها له بقوله صلى الله عليه وسلم : تصدق بهذا بعد إعلامه بعجزه ، ففهم الأعرابي وغيره من هذا أنها باقية عليه .

( والثاني ) أن تأخير [ ص: 381 ] البيان إلى وقت الحاجة جائز ، وهذا ليس في وقت الحاجة ، فهذا الذي ذكرته من تأويل الحديث ومعناه هو الصواب الذي قاله المحققون والأكثرون . وحكى إمام الحرمين والغزالي وغيرهما وجها لبعض الأصحاب أنه يجوز صرف كفارة الجماع خاصة إلى زوجة المكفر وأولاده إذا كانوا فقراء ; لهذا الحديث ، ووافق هذا القائل على أن الزكاة وباقي الكفارات لا يجوز صرفها إلى الزوجة والأولاد الفقراء ، وقاس الجمهور على الزكاة وباقي الكفارات ، وأجابوا عن الحديث بما سبق .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث