الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

سياق ما فسر من الكتاب والسنة واللغة على أن الاسم والمسمى واحد

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 228 ] سياق ما فسر من كتاب الله تعالى وما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وورد من لغة العرب على أن الاسم والمسمى واحد وأنه هو هو لا غيره .

قال الله تبارك وتعالى : سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق [ ص: 229 ] فسوى .

وقال تبارك وتعالى : ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها .

وقال تبارك وتعالى : قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى .

وقال تعالى : وقال ربكم ادعوني أستجب لكم .

وقال تعالى : فادعوه مخلصين له الدين .

وقال تعالى : فليعبدوا رب هذا البيت .

ولم يقل أحد من العقلاء : من اسمه رب هذا البيت ، ولا قال أحد : ادعوا الذي اسمه الله .

وقال تبارك وتعالى : فإياي فاعبدون .

[ ص: 230 ] وقال تعالى : واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا .

ومن أعظم الشرك أن يقال : إن العبادة لاسمه ، واسمه مخلوق ، وقد أمر بالعبادة للمخلوق .

وهذا قول المعتزلة والنجارية وغيرهم من أهل البدع والكفر والضلالة .

وقال تبارك وتعالى : قل هو الله أحد .

وقد أجمع المسلمون على أن هو إشارة إليه وأن اسمه هو .

وقال تبارك وتعالى : فاذكروا اسم الله عليها صواف ، فأمر الله تبارك وتعالى أن يذكر اسمه على البدن حين نحرها للتقرب إليه .

وعلى مذهب المبتدعة لو ذكر اسم زيد أو عمرو أو اللات والعزى يجزيه ؛ لأن هذه الأسماء مخلوقة ، وأسماء الله عز وجل عندهم مخلوقة .

وقال في آية أخرى : فكلوا مما ذكر اسم الله عليه .

وفي موضع آخر : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه .

وقال تبارك وتعالى : تبارك اسم ربك . وقال في أخرى : [ ص: 231 ] فتبارك الله رب العالمين . وقال تبارك وتعالى : ياأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا . وقال تعالى : إن الله وملائكته يصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما .

وأجمع المسلمون أن المؤذن إذا قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ، فإنه قد أتى بالتوحيد وأقر بالنبوة ، إلا المعتزلة فإنه يلزمهم أن يقولوا أشهد أن الذي اسمه الله لا إله إلا هو ، وأشهد أن الذي اسمه محمد رسول الله .

وهذا خلاف ما وردت به الشريعة ، وخلاف ما عليه المسلمون .

وكذلك هذه الأيمان التي بالله تبارك وتعالى كلها عندهم يجب أن تكون مخلوقة ، والناس يحلفون بالمخلوق دون الخالق ؛ لأن الاسم غير المسمى ، والاسم مخلوق عندهم وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول في دعائه : " باسمك اللهم أحيا وأموت " .

وكان يستشفي للمرضى بقوله : " أعيذك بكلمات الله التامة " وكان يعوذ بها حسنا وحسينا .

وجبريل حين اشتكى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عوذه بها . ثم قول الناس في الأدعية : اللهم اغفر لي وارحمني معناه عندهم من اسمه اللهم [ ص: 232 ] الذي هو مخلوق اغفر لي .

وهذا كفر بالله ، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وإجماع المسلمين ، ولغة العرب والعرف والعادة . فأما لغة العرب فعن الأصمعي ، وعن أبي عبيدة معمر بن المثنى : إذا رأيت الرجل يقول : الاسم غير المسمى فاشهد عليه بالزندقة . وعن خلف بن هشام البزار المقرئ أنه قال : من قال : إن أسماء الله مخلوقة ، فكفره عندي أوضح من هذه الشمس .

ومن الأئمة الشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، ونعيم بن حماد ، ومحمد بن أسلم الطوسي ، ومحمد بن جرير الطبري .

335 - أخبرنا أحمد بن عبيد الواسطي قال : أخبرنا علي بن عبد الله بن مبشر قال : حدثنا أحمد بن سنان قال : حدثنا وكيع بن الجراح قال : حدثنا سفيان \ح\

وأخبرنا أحمد قال : حدثنا علي قال : حدثنا أحمد قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان ، عن عبد الملك بن عمير ، عن ربعي بن حراش ، عن حذيفة قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أوى إلى فراشه قال : " اللهم باسمك أموت وأحيا " . وإذا استيقظ قال : " الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور " .

[ ص: 233 ] أخرجه البخاري ومسلم ، ولفظهما سواء .

297 أخبرنا عبيد الله بن أحمد قال : أخبرنا الحسين بن إسماعيل قال : حدثنا يوسف بن موسى قال : حدثنا جرير ، عن منصور ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعوذ حسنا وحسينا : " أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ، ومن كل عين لامة " . وكان يقول : " كما كان أبوكما يعوذ به إسماعيل وإسحاق " . أخرجه البخاري .

338 - أخبرنا محمد بن علي بن النضر قال : أخبرنا الحسين بن إسماعيل قال : حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح قال : حدثنا عبيدة بن حميد ، عن منصور ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن كريب ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أما إن أحدكم لو يقول وهو يجامع : بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا ، ثم قضي [ ص: 234 ] بينهما بولد ؛ لم يضره الشيطان أبدا " . أخرجه البخاري ومسلم .

339 - أخبرنا أحمد بن عمر بن محمد الأصبهاني قال : أخبرنا عبد الله بن محمد بن زياد قال : حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال : حدثنا ابن وهب قال : أخبرني عمرو بن الحارث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، وأبيه الحارث بن يعقوب ، حدثاه عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج ، عن القعقاع بن حكيم ، عن ذكوان ، عن أبي هريرة ، أنه قال : جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة . فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أما إنك لو قلت حين أمسيت : أعوذ بكلمات الله من شر ما خلق ، لم يضرك " . أخرجه مسلم .

340 - أخبرنا أحمد بن محمد بن عروة قال : حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد قال : حدثنا عبد الله بن عمران العابدي قال : حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي ، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا اشتكى رقاه جبريل ، فقال : بسم الله أبريك من كل داء يشفيك ، من شر كل ذي عين ، ومن شر كل حاسد إذا حسد .

[ ص: 235 ] أخرجه مسلم .

341 - أخبرنا محمد بن عبد الله الجعفي قال : أخبرنا محمد بن علي بن دحيم قال : حدثنا أحمد بن حازم قال : حدثنا مسدد ، وأبو معمر قالا : حدثنا عبد الوارث ، عن عبد العزيز بن صهيب ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد أن جبريل أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : اشتكيت يا محمد ؟ فقال : " نعم " . فقال : بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ، ومن شر كل نفس وعين ، الله يشفيك ، بسم الله أرقيك . أخرجه مسلم .

342 - ذكره عبد الرحمن بن أبي حاتم قال : حدثنا أبو زرعة ، يعني الرازي قال : حدثنا إبراهيم بن زياد ولقبه سبلان قال : حدثنا عباد بن عباد قال : حدثنا مجالد ، عن أبي الوداك ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لتضربن مضر عباد الله حتى لا يعبد لله اسم " .

[ ص: 236 ] 343 - أخبرنا علي بن محمد بن عمر قال : أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم قال : حدثنا الربيع بن سليمان المرادي بمصر في أول لقية لقيته في مسجد الجامع ، فسألته عن هذه الحكاية ، وذلك أني كنت كتبتها عن أبي بكر بن القاسم عنه قبل خروجي إلى مصر ، فحدثني الربيع بن سليمان قال : سمعت الشافعي يقول : من حلف باسم من أسماء الله فحنث فعليه الكفارة ؛ لأن اسم الله غير مخلوق ، ومن حلف بالكعبة أو بالصفا والمروة فليس عليه الكفارة ؛ لأنه مخلوق ، وذلك غير مخلوق .

344 - وأخبرنا عبيد الله بن محمد بن أحمد قال : أخبرنا علي بن إبراهيم بن عيسى المستملي قال : حدثنا أبو نعيم الجرجاني قال : حدثنا الربيع قال : قال الشافعي : من حلف بالله أو باسم من أسماء الله فعليه الكفارة .

345 - أخبرنا الحسين بن أحمد بن إبراهيم الطبري قال : حدثنا إبراهيم بن أحمد الميلي قال : حدثنا محمد بن يحيى بن آدم قال : حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن طريف قال : حدثنا أبو حاتم يحيى بن زكريا الأموي قال : حدثنا محمد بن إدريس الشافعي قال : حدثني بعض أصحابنا قال : اختصم رجلان مسلم ويهودي إلى عيسى بن أبان وكان قاضي البصرة ، وكان يرى رأي القوم ، فصارت اليمين على المسلم ، فقال له اليهودي : حلفه . فقال : احلف بالله الذي لا إله إلا هو .

[ ص: 237 ] قال اليهودي للقاضي : إنك تزعم أن القرآن مخلوق ، والله الذي لا إله إلا هو في القرآن ، فحلفه لي بالخالق لا بالمخلوق .

فتحير عيسى عنده وقال : قوما حتى أنظر في أمركما .

346 - أخبرنا محمد بن الحسين الفارسي قال ، حدثنا حبشون بن موسى قال : حدثنا حفص بن عمر قال : سمعت أبا سعيد الأصمعي : \ح\

347 - وأخبرنا علي بن محمد بن إبراهيم الجوهري قال : حدثنا الحسين بن إدريس القافلاني قال : حدثنا حفص بن عمر السياري قال : سمعت أبا سعيد الأصمعي يقول : إذا سمعته يقول : الاسم غير المسمى ، فاحكم - أو قال فاشهد - عليه بالزندقة . لفظهما سواء .

348 - أخبرنا أحمد بن محمد بن عمران ، عن أبي بكر بن أبي داود السجستاني قال : من زعم أن الاسم غير المسمى فقد زعم أن الله غير الله ، وأبطل في ذلك ؛ لأن الاسم غير المسمى في المخلوقين ؛ لأن الرجل يسمى محمودا وهو مذموم ، ويسمى قاسما ولم يقسم شيئا قط ، وإنما الله جل ثناؤه واسمه منه ولا نقول : اسمه هو ، بل نقول : اسمه منه ، فإن قال قائل : إن اسمه ليس منه ، فإنه قال : إن الله مجهول !! [ ص: 238 ] فإن قال : إن له اسما وليس به فقال : إن مع الله ثان .

349 - ذكره عبد الرحمن بن أبي حاتم قال : ذكر الفضل بن شاذان المقرئ الرازي قال : حدثنا الحسن بن محمد الكندي قال : قرأت على أبي عبيدة معمر بن المثنى البصري قال : بسم الله إنما هو الله ؛ لأن اسم الشيء هو الشيء ، قال لبيد : إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر .

350 - أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله قال : حدثنا عثمان بن أحمد قال : حدثنا الحسن بن عبد الوهاب قال : حدثني أبو بكر بن حماد قال : سمعت خلف بن هشام فيمن قال : الاسم غير المسمى ، وهو ينكر ذلك أشد النكرة ويقول : لو أن رجلا شتم رجلا على قول من قال هذه المقالة ، لم يلزمه شيء يقول : إنما شتمت الاسم ، ولو أن رجلا حلف بالله على مال رجل ، لم يلزمه في كلامه حنث على قول من قال هذه المقالة ، ويقول : إنما حلفت بالاسم فلم أحلف بالمسمى . ورأيت ؟ يدور أمر الإسلام على هذا الاسم ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا [ ص: 239 ] لا إله إلا الله " .

أرأيت الوضوء حين يبدأ فيه الإنسان يقول : بسم الله ، فإذا فرغ قال : سبحانك اللهم ؟ .

ورأيت الأذان أوله الله أكبر ولا يزال يردد : أشهد أن لا إله إلا الله ؟ ثم رأيت الصلاة حين يفتتح بقوله : الله أكبر لا يزال في ذلك حتى يختم بقوله : السلام عليكم ورحمة الله ، فأولها وآخرها الله . ورأيت الحج لبيك اللهم لبيك . ورأيت الذبيحة : بسم الله .

ورأيت أمر الإسلام يدور على هذا الاسم ؟ فمن زعم أن أسماء الله مخلوقة فهو كافر ، وكفره عندي أوضح من هذه الشمس .

351 - أخبرنا أحمد بن محمد قال : أخبرنا عمر بن أحمد المروزي قال : حدثنا أحمد بن محمد بن محمد الباغندي قال : حدثنا إبراهيم بن هانئ قال : سمعت أحمد بن حنبل ، وهو مختف عندي - [ ص: 240 ] فسألته عن القرآن فقال : من زعم أن أسماء الله مخلوقة فهو كافر .

352 - ذكره عبد الرحمن ، حدثنا أحمد بن سلمة قال : حدثنا إسحاق بن راهويه قال : أفضوا إلى أن قالوا : أسماء الله مخلوقة ؛ لأنه كان ولا اسم ، وهذا الكفر المحض لأن لله الأسماء الحسنى ، فمن فرق بين الله وبين أسمائه وبين علمه ومشيئته فجعل ذلك مخلوقا كله والله خالقها ؛ فقد كفر .

ولله - عز وجل - تسعة وتسعون اسما ، صح ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قاله ، ولقد تكلم بعض من ينسب إلى جهم بالأمر العظيم فقال : لو قلت : إن للرب تسعة وتسعين اسما لعبدت تسعة وتسعين إلها ، حتى إنه قال : إني لا أعبد الله الواحد والصمد ، إنما أعبد المراد به . فأي كلام أشد فرية وأعظم من هذا أن ينطق الرجل أن يقول : لا أعبد الله ؟ .

353 - ذكره عبد الرحمن قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن الفضل الأسدي قال : سمعت إسحاق بن داود الشعراني يذكر أنه عرض على محمد بن أسلم كلام رجل تكلم في القرآن ، فقال محمد بن أسلم : أما أسماء الله التي قد ذكرها فإنها كلها أسماؤه ، فإذا قال الإنسان : نعبد الله ، فإنما يعني الاسم والمعنى شيئا واحدا ، فهو موحد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث