الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

. قال المصنف رحمه الله تعالى ( ولو كان عليه قضاء شيء من رمضان فلم يصم حتى مات نظرت فإن أخره لعذر اتصل بالموت - لم يجب عليه شيء ; لأنه فرض لم يتمكن من فعله إلى الموت فسقط حكمه كالحج ، وإن زال العذر وتمكن فلم يصمه حتى مات أطعم عنه لكل مسكين مد من طعام عن كل يوم ، ومن أصحابنا من قال : فيه قول آخر أنه يصام عنه لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من مات [ ص: 414 ] وعليه صيام صام عنه وليه } ولأنه عبادة تجب بإفسادها الكفارة ، فجاز أن يقضى عنه بعد الموت كالحج ، والمنصوص في الأم هو الأول وهو الصحيح ، والدليل عليه ما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من مات وعليه صيام فليطعم عنه مكان كل يوم مسكين } ولأنه عبادة لا تدخلها النيابة في حال الحياة فلا تدخلها النيابة بعد الموت كالصلاة .

( فإن قلنا ) [ إنه يصام عنه فصام عنه ] وليه أجزأه ، فإن أمر أجنبيا فصام عنه بأجرة أو بغير أجرة أجزأه كالحج ، وإن قلنا : يطعم عنه ، نظرت فإن مات قبل أن يدركه رمضان آخر أطعم عنه عن كل يوم مسكين ، وإن مات بعد ما أدركه رمضان آخر ففيه وجهان : ( أحدهما ) يلزمه مدان مد للصوم ، ومد للتأخير .

( والثاني ) يكفيه مد واحد للتأخير ; لأنه إذا أخرج مدا للتأخير زال التفريط بالمد ، فيصير كما لو أخره بغير تفريط فلا تلزمه كفارة ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث عائشة رواه البخاري ومسلم ، وحديث ابن عمر رواه الترمذي ، وقال : هو غريب ، قال : والصحيح أنه موقوف على ابن عمر من قوله . وقول المصنف : عبادة تجب بإفسادها الكفارة احتراز من الصلاة ( وقوله ) عبادة لا تدخلها النيابة في حال الحياة ، احتراز من الحج في حق المعضوب .

( أما حكم المسألة ) فقال أصحابنا : من مات وعليه قضاء رمضان أو بعضه فله حالان : ( أحدهما ) أن يكون معذورا في تفويت الأداء ودام عذره إلى الموت كمن اتصل مرضه أو سفره أو إغماؤه أو حيضها أو نفاسها أو حملها أو إرضاعها ونحو ذلك بالموت لم يجب شيء على ورثته ، ولا في تركته لا صيام ولا إطعام ، وهذا لا خلاف فيه عندنا ، ودليله ما ذكره المصنف من القياس على الحج . [ ص: 415 ] الحال الثاني ) أن يتمكن من قضائه سواء فاته بعذر أم بغيره ، ولا يقضيه حتى يموت ، ففيه قولان مشهوران ( أشهرهما وأصحهما ) عند المصنف والجمهور وهو المنصوص في الجديد أنه يجب في تركته لكل يوم مد من طعام ، ولا يصح صيام وليه عنه ، قال القاضي أبو الطيب في المجرد : هذا هو المنصوص للشافعي في كتبه الجديدة ، وأكثر القديمة ( والثاني ) وهو القديم وهو الصحيح عند جماعة من محققي أصحابنا وهو المختار ، أنه يجوز لوليه أن يصوم عنه ، ويصح ذلك ويجزئه عن الإطعام وتبرأ به ذمة الميت ، ولكن يلزم الولي الصوم ، بل هو إلى خيرته ، ودليلهما في الكتاب ، وسأفرد له فرعا أبسط أدلته فيه إن شاء الله .

قال المصنف والأصحاب : فإذا قلنا بالقديم فأمر الولي أجنبيا فصام عن الميت بأجرة أو بغيرها ، جاز بلا خلاف كالحج ، ولو صام الأجنبي مستقلا به من غير إذن الولي فوجهان مشهوران ( أصحهما ) لا يجزئه ، قال صاحب البيان : وهذا هو المشهور في المذهب ، وقد أشار إليه المصنف بقوله : وإن أمر أجنبيا ، وأما المراد بالولي الذي يصوم عنه وليه . وقال صاحب الحاوي : مذهب الشافعي في القديم والجديد أنه يطعم عنه ولا يصام عنه ، قال وحكى بعض أصحابنا عن القديم أنه يصوم عنه وليه ; لأنه . قال فيه : قد روي لك في ذلك خبر ، فإن صح قلت به ، فجعله قولا ثانيا قال : وأنكر سائر أصحابنا أن يكون صوم الولي عنه مذهبا للشافعي رضي الله عنه وتأولوا الأحاديث الواردة { من مات وعليه صوم صام عنه وليه } إن صح على أن المراد الإطعام ، أي يفعل عنه ما يقوم مقام الصيام وهو الإطعام ، وفرقوا بينه وبين الحج بأن الحج تدخله النيابة في الحياة ولا تدخل الصوم النيابة في الحياة بلا خلاف هذا هو المشهور عند الأصحاب .

( القول الثاني ) وهو القديم أنه يجوز لوليه أن يصوم عنه ولا يلزمه ذلك ، وعلى هذا القول لو أطعم عنه جاز ، فهو على القديم مخير بين الصيام والإطعام ، هكذا نقله البيهقي وغيره وهو متفق عليه [ ص: 416 ] على القديم وهذا القديم هو الصحيح عند جماعة من محققي أصحابنا الجامعين بين الفقه والحديث ، واستدلوا له بالأحاديث الصحيحة ( منها ) حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم { من مات وعليه صيام صام عنه وليه } رواه البخاري ومسلم . وعن ابن عباس قال : { جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها ؟ فقال : لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها ؟ قال : نعم ، قال : فدين الله أحق أن يقضى } رواه البخاري ومسلم .

وعن ابن عباس أيضا قال : { جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إن أمي ماتت وعليها صوم نذر ، أفأصوم عنها ؟ قال : أفرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه أكان يؤدي ذلك عنها ؟ قالت : نعم ، قال : فصومي عن أمك } رواه مسلم ورواه البخاري أيضا تعليقا بمعناه . وعن بريدة قال : { بينما أنا جالس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتته امرأة فقالت : يا رسول الله إني تصدقت على أمي بجارية ، وإنها ماتت فقال : وجب أجرك وردها عليك الميراث قالت : يا رسول الله ، إنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها ؟ قال : صومي عنها ، قالت : إنها لم تحج قط أفأحج عنها ؟ قال : حجي عنها } رواه مسلم .

وعن ابن عباس { أن امرأة ركبت البحر فنذرت إن الله نجاها أن تصوم شهرا فنجاها الله سبحانه وتعالى فلم تصم حتى ماتت ، فجاءت بنتها أو أختها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها أن تصوم عنها } رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح رجاله رجال الصحيحين ، وفي المسألة أحاديث غير ما ذكرته ، وروى البيهقي في السنن الكبرى هذه الأحاديث ، وأحاديث كثيرة بمعناها ، ثم قال : فثبت بهذه الأحاديث جواز الصيام ، قال : وكان الشافعي قال في القديم : قد روي في الصوم عن الميت شيء فإن كان ثابتا صيم عنه كما يحج عنه . وأما في الجديد فقال : روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه يصوم عنه وليه " قال : وإنما نأخذ به ; لأن الزهري روى عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 417 ] نذرا ولم يسمه مع حفظ الزهري وطول مجالسة عبيد الله بن عباس ، فلما روى غيره عن رجل عن ابن عباس غير ما في حديث عبيد الله أشبه أن لا يكون محفوظا . قال البيهقي : يعني به حديث الشافعي عن مالك عن الزهري عن عبيد الله بن عباس { أن سعد بن عبادة استفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن أمي ماتت وعليها نذر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اقضه عنها } قال البيهقي : وهذا الحديث صحيح رواه البخاري ومسلم من رواية مالك وغيره عن الزهري ، إلا أن في رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس { أن امرأة سألت } يعني عن الصوم عن أمها ، وكذلك رواه الحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل عن مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير عن ابن عباس ، ورواه عكرمة عن ابن عباس ورواه بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وقال البيهقي أيضا في معرفة السنن والآثار : قد ثبت جواز قضاء الصوم عن الميت برواية سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعكرمة عن ابن عباس ، وفي رواية أكثرهم " أن امرأة سألت " وقد ثبت الصوم عنه من رواية عائشة ورواية بريدة ثم قال البيهقي في الكتابين : فالأشبه أن تكون قصة السؤال فيها عن الصيام بعينه غير قصة سعد بن عبادة ، التي سأل فيها عن نذر مطلق ، كيف وقد ثبت الصوم عنه بحديث عائشة وحديث بريدة . قال البيهقي : وقد رأيت بعض أصحابنا يضعف حديث ابن عباس بما روى عن يزيد بن زريع ، عن حجاج الأحول عن أيوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس قال : { لا يصوم أحد عن أحد ويطعم عنه } . وفي رواية عن ابن عباس أنه في صيام رمضان يطعم عنه ، وفي النذر يصوم عنه وليه قال : ورأيت بعضهم ضعف حديث عائشة بما روي عن عمارة بن عمير عن امرأة عن عائشة في امرأة ماتت وعليها صوم قالت : يطعم عنها ، وروي عن عائشة " لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم " قال البيهقي : وليس فيما ذكروا ما يوجب ضعف الحديث في الصيام عنه ; لأن من يجوز الصيام عن الميت يجوز [ ص: 418 ] الإطعام عنه ، قال : وفيما روي عنها في النهي عن الصوم عن الميت نظر ، والأحاديث المرفوعة أصح إسنادا وأشهر رجالا ، وقد أودعها صاحبا الصحيحين كتابيهما ، ولو وقف الشافعي على جميع طرقها ونظائرها لم يخالفها إن شاء الله تعالى . هذا آخر كلام البيهقي .

( قلت ) الصواب الجزم بجواز صوم الولي عن الميت سواء صوم رمضان والنذر وغيره من الصوم الواجب ; للأحاديث الصحيحة السابقة ، ولا معارض لها ويتعين أن يكون هذا مذهب الشافعي ; لأنه قال : " إذا صح الحديث فهو مذهبي واتركوا قولي المخالف له " وقد صحت في المسألة أحاديث كما سبق ، والشافعي إنما وقف على حديث ابن عباس من بعض طرقه كما سبق ، ولو وقف على جميع طرقه وعلى حديث بريدة ، وحديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخالف ذلك كما قال البيهقي فيما قدمناه عنه في آخر كلامه ، فكل هذه الأحاديث صحيحة صريحة فيتعين العمل بها لعدم المعارض لها . وأما حديث ابن عمر في الإطعام عنه فقد سبق قول الترمذي فيه أنه لا يصح مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأن الصحيح أنه موقوف على ابن عمر . وكذا قال البيهقي وغيره من الحفاظ : لا يصح مرفوعا ، وإنما هو من كلام ابن عمر ، وإنما رفعه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر { عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يموت وعليه رمضان لم يقضه ، قال : يطعم عنه لكل يوم نصف صاع بر } قال البيهقي : هذا خطأ من وجهين ( أحدهما ) رفعه ، وإنما هو موقوف ( الثاني ) قوله ( نصف صاع ) فإنما قال ابن عمر مدا من حنطة .

( قلت ) وقد اتفقوا على تضعيف محمد بن أبي ليلى ، وأنه لا يحتج بروايته ، وإن كان إماما في الفقه . وأما ما حكاه البيهقي [ ص: 419 ] عن بعض أصحابنا من تضعيف حديث ابن عباس وعائشة بمخالفتهما لروايتهما فغلط من زاعمه ; لأن عمل العالم وفتياه بخلاف حديث رواه لا يوجب ضعف الحديث ولا يمنع الاستدلال به ، وهذه قاعدة معروفة في كتب المحدثين والأصوليين لا سيما وحديثاهما في إثبات الصوم عن الميت في الصحيح والرواية عن عائشة في فتياها من عند نفسها بمنع الصوم ضعيف لم يحتج به لو لم يعارضها شيء ، كيف وهي مخالفة للأحاديث الصحيحة . وأما تأويل من تأول من أصحابنا " صام عنه وليه " أي أطعم بدل الصيام ، فتأويل باطل يرده باقي الأحاديث .

( فرع ) إذا قلنا : لا يصام عن الميت بل يطعم عنه ، فإن مات قبل رمضان الثاني أطعم عنه لكل يوم مد من طعام بلا خلاف عندنا ، وإن مات بعد مجيء رمضان الثاني فوجهان حكاهما المصنف والأصحاب وهما مشهوران ذكر المصنف دليلهما ( أحدهما ) قاله ابن سريج يطعم لكل يوم مد ( وأصحهما ) عن كل يوم مدان ، وبه قال جمهور أصحابنا المتقدمين ، واتفق المتأخرون على تصحيحه ، وقد سبقت هذه المسألة واضحة مع نظائرها قبل هذا الفصل بقليل ، وسبق تفريع كثير على القولين .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث