الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم "

القول في تأويل قوله تعالى : ( فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور ) [ ص: 378 ]

يقول - تعالى ذكره - : فأعرضت سبأ عن طاعة ربها وصدت عن اتباع ما دعتها إليه رسلها من أنه خالقها .

كما حدثنا ابن حميد قال : ثنا سلمة قال : ثني محمد بن إسحاق ، عن وهب بن منبه اليماني قال : لقد بعث الله إلى سبأ ثلاثة عشر نبيا فكذبوهم ( فأرسلنا عليهم سيل العرم ) يقول - تعالى ذكره - : فثقبنا عليهم حين أعرضوا عن تصديق رسلنا سدهم الذي كان يحبس عنهم السيول .

والعرم المسناة التي تحبس الماء ، واحدها عرمة ، وإياه عنى الأعشى بقوله :


ففي ذاك للمؤتسي أسوة ومأرب عفى عليه العرم     رجام بنته لهم حمير
إذا جاء ماؤهم لم يرم



وكان العرم فيما ذكر مما بنته بلقيس .

[ ص: 379 ] ذكر من قال ذلك :

حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي قال : ثني وهب بن جرير قال : ثنا أبي ، قال سمعت المغيرة بن حكيم قال : لما ملكت بلقيس ، جعل قومها يقتتلون على ماء واديهم ، قال فجعلت تنهاهم فلا يطيعونها ، فتركت ملكها وانطلقت إلى قصر لها وتركتهم ، فلما كثر الشر بينهم وندموا أتوها ، فأرادوها على أن ترجع إلى ملكها فأبت ، فقالوا : لترجعن أو لنقتلنك ، فقالت : إنكم لا تطيعونني وليست لكم عقول ، ولا تطيعونني ، قالوا : فإنا نطيعك ، وإنا لم نجد فينا خيرا بعدك ، فجاءت فأمرت بواديهم ، فسد بالعرم .

قال أحمد قال : وهب قال : أبي : فسألت المغيرة بن حكيم عن العرم ، فقال : هو بكلام حمير المسناة فسدت ما بين الجبلين فحبست الماء من وراء السد ، وجعلت له أبوابا بعضها فوق بعض ، وبنت من دونه بركة ضخمة ، فجعلت فيها اثني عشر مخرجا على عدة أنهارهم ، فلما جاء المطر احتبس السيل من وراء السد فأمرت بالباب الأعلى ففتح فجرى ماؤه في البركة ، وأمرت بالبعر فألقي فيها فجعل بعض البعر يخرج أسرع من بعض ، فلم تزل تضيق تلك الأنهار ، وترسل البعر في الماء حتى خرج جميعا معا ، فكانت تقسمه بينهم على ذلك ، حتى كان من شأنها وشأن سليمان ما كان .

حدثنا أحمد بن عمر البصري قال : ثنا أبو صالح بن زريق قال : أخبرنا شريك ، عن أبي إسحاق ، عن أبي ميسرة في قوله ( فأرسلنا عليهم سيل العرم ) قال : المسناة بلحن اليمن .

حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : ( سيل العرم ) قال : شديد ، وقيل : إن العرم اسم واد كان لهؤلاء القوم .

[ ص: 380 ] ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي قال : ثني عمي قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله ( فأرسلنا عليهم سيل العرم ) قال : واد كان باليمن ، كان يسيل إلى مكة ، وكانوا يسقون وينتهي سيلهم إليه .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( فأرسلنا عليهم سيل العرم ) ذكر لنا أن سيل العرم واد كانت تجتمع إليه مسايل من أودية شتى ، فعمدوا فسدوا ما بين الجبلين بالقير والحجارة وجعلوا عليه أبوابا ، وكانوا يأخذون من مائه ما احتاجوا إليه ، ويسدون عنهم ما لم يعنوا به من مائه شيئا .

حدثت عن الحسين قال سمعت أبا معاذ يقول أخبرنا عبيد قال : سمعت الضحاك يقول في قوله ( فأرسلنا عليهم سيل العرم ) واد يدعى العرم ، وكان إذا مطر سالت أودية اليمن إلى العرم ، واجتمع إليه الماء فعمدت سبأ إلى العرم فسدوا ما بين الجبلين ، فحجزوه بالصخر والقار ، فانسد زمانا من الدهر ، لا يرجون الماء ، يقول : لا يخافون .

وقال آخرون : العرم صفة للمسناة التي كانت لهم وليس باسم لها .

ذكر من قال ذلك :

حدثني علي قال : ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قوله ( سيل العرم ) يقول : الشديد ، وكان السبب الذي سبب الله لإرسال ذلك السيل عليهم فيما ذكر لي جرذا ابتعثه الله على سدهم ، فثقب فيه ثقبا .

ثم اختلف أهل العلم في صفة ما حدث عن ذلك الثقب مما كان فيه خراب جنتيهم .

فقال بعضهم : كان صفة ذلك أن السيل لما وجد عملا في السد عمل فيه ، ثم فاض الماء على جناتهم ; فغرقها وخرب أرضهم وديارهم .

[ ص: 381 ] ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن حميد قال : ثنا سلمة قال : ثني محمد بن إسحاق ، عن وهب بن منبه اليماني قال : كان لهم ، يعني لسبإ ، سد ، قد كانوا بنوه بنيانا أبدا ، وهو الذي كان يرد عنهم السيل إذا جاء أن يغشى أموالهم ، وكان فيما يزعمون في علمهم من كهانتهم ، أنه إنما يخرب عليهم سدهم ذلك فأرة ، فلم يتركوا فرجة بين حجرين إلا ربطوا عندها هرة ، فلما جاء زمانه وما أراد الله بهم من التغريق ، أقبلت فيما يذكرون فأرة حمراء إلى هرة من تلك الهرر فساورتها ، حتى استأخرت عنها أي الهرة ، فدخلت في الفرجة التي كانت عندها ، فغلغلت في السد فحفرت فيه حتى وهنته للسيل وهم لا يدرون ، فلما جاء السيل وجد خللا فدخل فيه حتى قلع السد وفاض على الأموال فاحتملها فلم يبق منها إلا ما ذكره الله ، فلما تفرقوا نزلوا على كهانة عمران بن عامر .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قال : لما ترك القوم أمر الله بعث الله عليهم جرذا يسمى الخلد ، فثقبه من أسفله حتى غرق به جناتهم ، وخرب به أرضهم عقوبة بأعمالهم .

حدثت عن الحسين قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان قال : سمعت الضحاك يقول : لما طغوا وبغوا ، يعني سبأ ، بعث الله عليهم جرذا فخرق عليهم السد فأغرقهم الله .

حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد : بعث الله عليه جرذا وسلطه على الذي كان يحبس الماء الذي يسقيها ، فأخرب في أفواه تلك الحجارة وكل شيء منها من رصاص وغيره ، حتى تركها حجارة ، ثم بعث الله سيل العرم ، فاقتلع ذلك السد وما كان يحبس ، واقتلع تلك الجنتين ، فذهب بهما ، وقرأ ( فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ) قال : ذهب بتلك القرى والجنتين .

وقال آخرون : كانت صفة ذلك أن الماء الذي كانوا يعمرون به جناتهم [ ص: 382 ] سال إلى موضع غير الموضع الذي كانوا ينتفعون به ، فبذلك خربت جناتهم .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي قال : ثني عمي قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : بعث الله عليهم ، يعني على العرم ، دابة من الأرض فثقبت فيه ثقبا ، فسال ذلك الماء إلى موضع غير الموضع الذي كانوا ينتفعون به ، وأبدلهم الله مكان جنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط ، وذلك حين عصوا ، وبطروا المعيشة .

والقول الأول أشبه بما دل عليه ظاهر التنزيل ، وذلك أن الله - تعالى ذكره - أخبر أنه أرسل عليهم سيل العرم ، ولا يكون إرسال ذلك عليهم إلا بإسالته عليهم ، أو على جناتهم وأرضهم لا بصرفه عنهم .

وقوله ( وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط ) يقول - تعالى ذكره - : وجعلنا لهم مكان بساتينهم من الفواكه والثمار بساتين من جنى ثمر الأراك ، والأراك هو الخمط .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني علي قال : ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قال : أبدلهم الله مكان جنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط ، والخمط : الأراك .

حدثني يعقوب قال : ثنا ابن علية ، عن أبي رجاء قال : سمعت الحسن يقول في قوله ( ذواتي أكل خمط ) قال : أراه قال : الخمط : الأراك .

حدثني محمد بن عمارة قال : ثني عبد الله بن موسى قال : أخبرنا إسرائيل ، عن أبي يحيى ، عن مجاهد ( أكل خمط ) قال : الخمط : الأراك .

حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، [ ص: 383 ] عن مجاهد ( ذواتي أكل خمط ) قال : الأراك .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( ذواتي أكل خمط ) والخمط : الأراك ، وأكله : بريره .

حدثت عن الحسين قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد قال : سمعت الضحاك يقول في قوله ( وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط ) قال : بدلهم الله بجنان الفواكه والأعناب ، إذ أصبحت جناتهم خمطا وهو الأراك .

حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله ( وبدلناهم بجنتيهم جنتين ) قال : أذهب تلك القرى والجنتين ، وأبدلهم الذي أخبرك ذواتي أكل خمط قال : فالخمط : الأراك قال : جعل مكان العنب أراكا ، والفاكهة أثلا وشيئا من سدر قليل .

واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الأمصار بتنوين " أكل " غير أبي عمرو ، فإنه يضيفها إلى الخمط بمعنى ذواتي ثمر خمط . وأما الذين لم يضيفوا ذلك إلى الخمط وينونون الأكل ، فإنهم جعلوا الخمط هو الأكل ، فردوه عليه في إعرابه . وبضم الألف والكاف من الأكل قرأت قراء الأمصار ، غير نافع ، فإنه كان يخفف منها .

والصواب من القراءة في ذلك عندي قراءة من قرأه ( ذواتي أكل ) بضم الألف والكاف لإجماع الحجة من القراء عليه ، وبتنوين أكل لاستفاضة القراءة بذلك في قراء الأمصار ، من غير أن أرى خطأ قراءة من قرأ ذلك بإضافته إلى الخمط ، وذلك في إضافته وترك إضافته ، نظير قول العرب في بستان فلان أعناب كرم وأعناب كرم ، فتضيف أحيانا الأعناب إلى الكرم لأنها منه ، وتنون أحيانا ، ثم تترجم بالكرم عنها ، إذ كانت الأعناب ثمر الكرم .

وأما الأثل : فإنه يقال له : الطرفاء ، وقيل : شجر شبيه بالطرفاء غير أنه أعظم منها ، وقيل : إنها السمر .

[ ص: 384 ] ذكر من قال ذلك :

حدثني علي قال : ثنا صالح قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ( وأثل ) قال : الأثل : الطرفاء .

وقوله ( وشيء من سدر قليل ) يقول : ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل .

وكان قتادة يقول في ذلك ما حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثني سعيد ، عن قتادة ( ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل ) قال : بينما شجر القوم خير الشجر ، إذ صيره الله من شر الشجر بأعمالهم .

وقوله ( ذلك جزيناهم بما كفروا ) يقول - تعالى ذكره - : هذا الذي فعلنا بهؤلاء القوم من سبإ من إرسالنا عليهم سيل العرم ، حتى هلكت أموالهم ، وخربت جناتهم جزاء منا على كفرهم بنا ، وتكذيبهم رسلنا ، و " ذلك " من قوله ( ذلك جزيناهم ) في موضع نصب بموقوع جزيناهم عليه ، ومعنى الكلام : جزيناهم ذلك بما كفروا .

وقوله ( وهل نجازي إلا الكفور ) اختلفت القراء في قراءته ; فقرأته عامة قراء المدينة ، والبصرة ، وبعض أهل الكوفة ( وهل يجازى ) بالياء وبفتح الزاي على وجه ما لم يسم فاعله ( إلا الكفور ) رفعا . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة ( وهل نجازي ) بالنون وبكسر الزاي ( إلا الكفور ) بالنصب .

والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان في قراء الأمصار ، متقاربتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ، ومعنى الكلام : كذلك كافأناهم على كفرهم بالله وهل يجازى إلا الكفور لنعمة الله .

فإن قال قائل : أو ما يجزي الله أهل الإيمان به على أعمالهم الصالحة ، فيخص أهل الكفر بالجزاء؟ فيقال : وهل يجازى إلا الكفور؟ قيل : إن المجازاة في هذا الموضع المكافأة ، والله - تعالى ذكره - وعد أهل الإيمان به التفضل عليهم ، [ ص: 385 ] وأن يجعل لهم بالواحدة من أعمالهم الصالحة عشر أمثالها إلى ما لا نهاية له من التضعيف ، ووعد المسيء من عباده أن يجعل بالواحدة من سيئاته مثلها مكافأة له على جرمه ، والمكافأة لأهل الكبائر والكفر ، والجزاء لأهل الإيمان مع التفضل ، فلذلك قال - جل ثناؤه - في هذا الموضع ( وهل يجازى إلا الكفور ) ؟ كأنه قال - جل ثناؤه - : لا يجازى : لا يكافأ على عمله إلا الكفور ، إذا كانت المكافأة مثل المكافإ عليه ، والله لا يغفر له من ذنوبه شيئا ، ولا يمحص شيء منها في الدنيا .

وأما المؤمن فإنه يتفضل عليه على ما وصفت .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ( وهل نجازي ) : نعاقب .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور ) إن الله تعالى إذا أراد بعبده كرامة تقبل حسناته ، وإذا أراد بعبده هوانا أمسك عليه ذنوبه حتى يوافى به يوم القيامة . قال : وذكر لنا أن رجلا بينما هو في طريق من طريق المدينة ، إذ مرت به امرأة ، فأتبعها بصره ، حتى أتى على حائط ، فشج وجهه ، فأتى نبي الله ووجهه يسيل دما ، فقال : يا نبي الله ، فعلت كذا وكذا ، فقال له نبي الله : " إن الله إذا أراد بعبد كرامة عجل له عقوبة ذنبه في الدنيا ، وإذا أراد الله بعبد هوانا أمسك عليه ذنبه حتى يوافى به يوم القيامة ، كأنه عير أبتر " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث