الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( ويستحب صوم يوم الاثنين والخميس . لما روى أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم { كان يصوم الاثنين والخميس فسئل عن ذلك ، فقال : إن الأعمال تعرض يوم الاثنين والخميس } ) .

التالي السابق


( فرع ) قال أصحابنا : ومن الصوم المستحب صوم الأشهر الحرم ، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ، وأفضلها المحرم ، قال الروياني في البحر : أفضلها رجب ، وهذا غلط ; لحديث أبي هريرة الذي سنذكره إن شاء الله تعالى { أفضل الصوم بعد رمضان شهر الله المحرم } ومن المسنون صوم شعبان ، ومنه صوم الأيام التسعة من أول ذي الحجة ، وجاءت في هذا كله أحاديث كثيرة ، منها حديث مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها أنه { أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انطلق فأتاه بعد سنة وقد تغيرت حالته وهيئته ، فقال : يا رسول الله ، أما تعرفني ؟ قال : ومن أنت ؟ قال : أنا الباهلي الذي جئتك عام الأول ، قال : فما غيرك وقد كنت حسن الهيئة ؟ قال : ما أكلت طعاما منذ فارقتك إلا بليل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لما عذبت نفسك ؟ ثم قال : صم شهر الصبر ويوما من كل شهر ، قال : زدني فإن بي قوة ، قال : صم يومين قال : زدني ، قال : صم ثلاثة أيام ، قال زدني ، قال : صم من الحرم واترك ، صم من الحرم واترك ، صم من الحرم واترك ، وقال بأصابعه الثلاث ، ثم أرسلها } رواه أبو داود وغيره . قوله صلى الله عليه وسلم : { صم من الحرم واترك } إنما أمره بالترك ; لأنه كان يشق عليه إكثار الصوم كما ذكره في أول الحديث . [ ص: 439 ] فأما من لم يشق عليه فصوم جميعها فضيلة . وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل } رواه مسلم . وعن عائشة قالت : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول : لا يفطر ، ويفطر حتى نقول : لا يصوم . وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا رمضان ، وما رأيته في شهر أكثر منه صياما من شعبان } رواه البخاري ومسلم من طرق .

وفي رواية لمسلم { كان يصوم شعبان كله ، كان يصوم شعبان إلا قليلا } . قال العلماء : اللفظ الثاني مفسر للأول وبيان ; لأن مرادها بكله غالبه وقيل : كان يصومه كله في وقت ويصوم بعضه في سنة أخرى ، وقيل : كان يصوم تارة من أوله وتارة من وسطه وتارة من آخره ولا يخلي منه شيئا بلا صيام ، لكن في سنين . وقيل في تخصيصه شعبان بكثرة الصيام : لأنه ترفع فيه أعمال العباد في سنتهم . وقيل غير ذلك فإن قيل ، فقد سبق في حديث أبي هريرة أن أفضل الصيام بعد رمضان المحرم ، فكيف أكثر منه في شعبان دون المحرم . فالجواب : لعله صلى الله عليه وسلم لم يعلم فضل المحرم إلا في آخر الحياة قبل التمكن من صومه . أو لعله كانت تعرض فيه أعذار تمنع من إكثار الصوم فيه ؟ كسفر ومرض وغيرهما . قال العلماء : وإنما لم يستكمل شهرا غير رمضان لئلا يظن وجوبه . وعن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام يعني أيام العشر قالوا : يا رسول الله ، ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال : ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء } رواه البخاري في صحيحه في كتاب صلاة العيد . وعن هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء ، وثلاثة أيام من كل شهر وأول اثنين من الشهر ، والخميس } رواه [ ص: 440 ] أبو داود ورواه أحمد والنسائي وقالا : وخميسين . وأما حديث عائشة قالت : { ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما في العشر قط } وفي رواية { لم يصم العشر } رواهما مسلم في صحيحه ، فقال العلماء : وهو متأول على أنها لم تره ولم يلزم منه تركه في نفس الأمر ; لأنه صلى الله عليه وسلم كان يكون عندها في يوم من تسعة أيام ، والباقي عند باقي أمهات المؤمنين رضي الله عنهن ، أو لعله صلى الله عليه وسلم كان يصوم بعضه في بعض الأوقات وكله في بعضها ، ويتركه في بعضها لعارض سفر أو مرض أو غيرهما ، وبهذا يجمع بين الأحاديث .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث