الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى "ربنا تقبل منا "

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى ( ربنا تقبل منا )

قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل يقولان : ربنا تقبل منا . وذكر أن ذلك كذلك في قراءة ابن مسعود . وهو قول جماعة من أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

2051 - حدثني موسى بن هارون قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط ، عن السدي قال : يبنيان وهما يدعوان الكلمات التي ابتلى بها إبراهيم ربه ، قال : "ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ، ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا [ ص: 65 ] أمة مسلمة لك ، ربنا وابعث فيهم رسولا منهم" .

2052 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال : أخبرني ابن كثير قال : حدثنا سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل " قال : هما يرفعان القواعد من البيت ويقولان : "ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم" قال : وإسماعيل يحمل الحجارة على رقبته ، والشيخ يبني .

فتأويل الآية على هذا القول : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل قائلين : ربنا تقبل منا .

وقال آخرون : بل قائل ذلك كان إسماعيل . فتأويل الآية على هذا القول : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ، وإذ يقول ربنا تقبل منا . فيصير حينئذ" إسماعيل " مرفوعا بالجملة التي بعده . و"يقول " حينئذ ، خبر له دون إبراهيم .

ثم اختلف أهل التأويل في الذي رفع القواعد ، بعد إجماعهم على أن إبراهيم كان ممن رفعها .

فقال بعضهم : رفعها إبراهيم وإسماعيل جميعا .

ذكر من قال ذلك :

2053 - حدثني موسى بن هارون قال : حدثنا عمرو بن حماد قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : "وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين" . [ ص: 66 ] قال : فانطلق إبراهيم حتى أتى مكة ، فقام هو وإسماعيل وأخذا المعاول ، لا يدريان أين البيت . فبعث الله ريحا يقال لها ريح الخجوج ، لها جناحان ورأس في صورة حية ، فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول ، واتبعاها بالمعاول يحفران ، حتى وضعا الأساس . فذلك حين يقول : ( وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ) . [ سورة الحج : 26 ] . فلما بنيا القواعد فبلغا مكان الركن ، قال إبراهيم لإسماعيل : يا بني ، اطلب لي حجرا حسنا أضعه هاهنا . قال : يا أبت ، إني كسلان تعب . قال : علي بذلك . فانطلق فطلب له حجرا فجاءه بحجر فلم يرضه ، فقال : ائتني بحجر أحسن من هذا . فانطلق يطلب له حجرا ، وجاءه جبريل بالحجر الأسود من الهند ، وكان أبيض ، ياقوتة بيضاء مثل الثغامة . وكان آدم هبط به من الجنة فاسود من خطايا الناس . فجاءه إسماعيل بحجر فوجده عند الركن ، فقال : يا أبت من جاءك بهذا ؟ فقال : من هو أنشط منك! فبنياه .

2054 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن عمر بن عبد الله بن عروة ، عن عبيد بن عمير الليثي قال : بلغني أن إبراهيم وإسماعيل هما رفعا قواعد البيت . [ ص: 67 ]

وقال آخرون : بل رفع قواعد البيت إبراهيم ، وكان إسماعيل يناوله الحجارة .

ذكر من قال ذلك :

2055 - حدثنا أحمد بن ثابت الرازي قال : حدثنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن أيوب وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة - يزيد أحدهما على الآخر - ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : جاء إبراهيم ، وإسماعيل يبري نبلا قريبا من زمزم ، فلما رآه قام إليه ، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد ، والولد بالوالد ، ثم قال : يا إسماعيل ، إن الله أمرني بأمر . قال : فاصنع ما أمرك ربك . قال : وتعينني ؟ قال : وأعينك . قال : فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتا ! وأشار إلى الكعبة ، والكعبة مرتفعة على ما حولها . قال : فعند ذلك رفعا القواعد من البيت . قال : فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة ، وإبراهيم يبني ، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له ، فقام عليه وهو يبني ، وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان : " ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ، حتى دور حول البيت . [ ص: 68 ]

2056 - حدثنا ابن سنان القزاز قال : حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد أبو علي الحنفي قال : حدثنا إبراهيم بن نافع قال : سمعت كثير بن كثير يحدث ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : جاء - يعني إبراهيم - فوجد إسماعيل يصلح نبلا من وراء زمزم . قال إبراهيم : يا إسماعيل ، إن الله ربك قد أمرني أن أبني له بيتا . فقال له إسماعيل : فأطع ربك فيما أمرك . فقال له إبراهيم : قد أمرك أن تعينني عليه . قال : إذا أفعل . قال : فقام معه ، فجعل إبراهيم يبنيه ، وإسماعيل يناوله الحجارة ويقولان : " ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم فلما ارتفع البنيان ، وضعف الشيخ عن رفع الحجارة ، قام على حجر ، فهو مقام إبراهيم ، فجعل يناوله ويقولان : " ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم " .

وقال آخرون : بل الذي رفع قواعد البيت إبراهيم وحده ، وإسماعيل يومئذ طفل صغير .

ذكر من قال ذلك :

2057 - حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى ، قالا حدثنا مؤمل قال : حدثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن حارثة بن مضرب ، عن علي قال : لما أمر إبراهيم ببناء البيت ، خرج معه إسماعيل وهاجر . قال : فلما قدم مكة رأى على رأسه في موضع البيت مثل الغمامة ، فيه مثل الرأس ، فكلمه فقال : يا إبراهيم ، ابن على [ ص: 69 ] ظلي - أو على قدري - ولا تزد ولا تنقص . فلما بنى [ خرج ] وخلف إسماعيل وهاجر ، فقالت هاجر : يا إبراهيم ، إلى من تكلنا ؟ قال : إلى الله . قالت : انطلق فإنه لا يضيعنا . قال : فعطش إسماعيل عطشا شديدا قال : فصعدت هاجر الصفا ، فنظرت فلم تر شيئا . ثم أتت المروة ، فنظرت فلم تر شيئا ، ثم رجعت إلى الصفا فنظرت ، فلم تر شيئا . حتى فعلت ذلك سبع مرات . فقالت : يا إسماعيل ، مت حيث لا أراك . فأتته وهو يفحص برجله من العطش . فناداها جبريل فقال لها : من أنت ؟ فقالت : أنا هاجر ، أم ولد إبراهيم . قال : إلى من وكلكما ؟ قالت : وكلنا إلى الله . قال : وكلكما إلى كاف! قال : ففحص [ الغلام ] الأرض بإصبعه ، فنبعت زمزم ، فجعلت تحبس الماء . فقال : دعيه فإنها رواء .

2058 - حدثنا هناد بن السري قال : حدثنا أبو الأحوص ، عن سماك ، عن خالد بن عرعرة : أن رجلا قام إلى علي فقال : ألا تخبرني عن البيت ؟ [ ص: 70 ] أهو أول بيت وضع في الأرض ؟ فقال : لا ولكن هو أول بيت وضع فيه البركة ، مقام إبراهيم ، ومن دخله كان آمنا ، وإن شئت أنبأتك كيف بني : إن الله أوحى إلى إبراهيم أن ابن لي بيتا في الأرض . قال : فضاق إبراهيم بذلك ذرعا ، فأرسل الله السكينة - وهى ريح خجوج ، ولها رأسان - فأتبع أحدهما صاحبه حتى انتهت إلى مكة ، فتطوت على موضع البيت كتطوي الحجفة ، وأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقر السكينة . فبنى إبراهيم وبقي حجر ، فذهب الغلام يبغي شيئا ، فقال إبراهيم : لا! ابغني حجرا كما آمرك . قال : فانطلق الغلام يلتمس له حجرا ، فأتاه فوجده قد ركب الحجر الأسود في مكانه ، فقال : يا أبت ، من أتاك بهذا الحجر ؟ قال : أتاني به من لم يتكل على بنائك ، جاء به جبريل من السماء . فأتماه . [ ص: 71 ]

2059 - حدثنا محمد بن المثنى قال : حدثنا محمد بن جعفر قال : حدثنا سعيد ، عن سماك قال : سمعت خالد بن عرعرة يحدث عن علي بنحوه .

2060 - حدثنا المثنى قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا شعبة وحماد بن سلمة وأبو الأحوص كلهم ، عن سماك ، عن خالد بن عرعرة ، عن علي ، بنحوه .

قال أبو جعفر : فمن قال : رفع القواعد إبراهيم وإسماعيل ، أو قال : رفعها إبراهيم وكان إسماعيل يناوله الحجارة ، فالصواب في قوله أن يكون المضمر من القول لإبراهيم وإسماعيل . ويكون الكلام حينئذ : "وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل " يقولان : "ربنا تقبل منا" . وقد كان يحتمل على هذا التأويل ، أن يكون المضمر من القول لإسماعيل خاصة دون إبراهيم ، ولإبراهيم خاصة دون إسماعيل ، لولا ما عليه عامة أهل التأويل من أن المضمر من القول لإبراهيم وإسماعيل جميعا .

وأما على التأويل الذي روي عن علي : - أن إبراهيم هو الذي رفع القواعد دون إسماعيل - فلا يجوز أن يكون المضمر من القول عند ذلك إلا لإسماعيل خاصة .

والصواب من القول عندنا في ذلك : أن المضمر من القول لإبراهيم وإسماعيل ، وأن قواعد البيت رفعها إبراهيم وإسماعيل جميعا . وذلك أن إبراهيم وإسماعيل ، إن كانا هما بنياها ورفعاها فهو ما قلنا . وإن كان إبراهيم تفرد ببنائها ، وكان [ ص: 72 ] إسماعيل يناوله ، فهما أيضا رفعاها ، لأن رفعها كان بهما : من أحدهما البناء ، ومن الآخر نقل الحجارة إليها ومعونة وضع الأحجار مواضعها . ولا تمتنع العرب من نسبة البناء إلى من كان بسببه البناء ومعونته .

وإنما قلنا ما قلنا من ذلك ، لإجماع جميع أهل التأويل على أن إسماعيل معني بالخبر الذي أخبر الله عنه وعن أبيه ، أنهما كانا يقولانه ، وذلك قولهما : "ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم" . فمعلوم أن إسماعيل لم يكن ليقول ذلك ، إلا وهو : إما رجل كامل ، وإما غلام قد فهم مواضع الضر من النفع ، ولزمته فرائض الله وأحكامه . وإذا كان - في حال بناء أبيه ما أمره الله ببنائه ورفعه قواعد بيت الله - كذلك ، فمعلوم أنه لم يكن تاركا معونة أبيه ، إما على البناء ، وإما على نقل الحجارة . وأي ذلك كان منه ، فقد دخل في معنى من رفع قواعد البيت ، وثبت أن القول المضمر خبر عنه وعن والده إبراهيم عليهما السلام .

فتأويل الكلام : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل يقولان : ربنا تقبل منا عملنا ، وطاعتنا إياك ، وعبادتنا لك ، في انتهائنا إلى أمرك الذي أمرتنا به ، في بناء بيتك الذي أمرتنا ببنائه ، إنك أنت السميع العليم .

وفي إخبار الله تعالى ذكره أنهما رفعا القواعد من البيت وهما يقولان : ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم - دليل واضح على أن بناءهما ذلك لم يكن مسكنا يسكنانه ، ولا منزلا ينزلانه ، بل هو دليل على أنهما بنياه ورفعا قواعده لكل من أراد أن يعبد الله تقربا منهما إلى الله بذلك . ولذلك قالا "ربنا تقبل منا" . ولو كانا بنياه مسكنا لأنفسهم ، لم يكن لقولهما : "تقبل منا" وجه مفهوم . لأنه كانا [ ص: 73 ] يكونان - لو كان الأمر كذلك - سائلين أن يتقبل منهما ما لا قربة فيه إليه . وليس موضعهما مسألة الله قبول ما لا قربة إليه فيه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث