الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد "

القول في تأويل قوله تعالى : ( وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد ( 52 ) )

يقول - تعالى ذكره - : وقال هؤلاء المشركون حين عاينوا عذاب الله : آمنا [ ص: 425 ] به ، يعني : آمنا بالله وبكتابه ورسوله .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله ( وقالوا آمنا به ) قالوا : آمنا بالله .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( وقالوا آمنا به ) عند ذلك ، يعني : حين عاينوا عذاب الله .

حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله ( وقالوا آمنا به ) بعد القتل ، وقوله ( وأنى لهم التناوش ) يقول : ومن أي وجه لهم التناوش .

واختلفت قراء الأمصار في ذلك ; فقرأته عامة قراء المدينة ( التناوش ) بغير همز ، بمعنى التناول ، وقرأته عامة قراء الكوفة والبصرة : ( التناؤش ) بالهمز ، بمعنى التنؤش ، وهو الإبطاء ، يقال منه : تناءشت الشيء : أخذته من بعيد ، ونشته : أخذته من قريب ، ومن التنؤش قول الشاعر :


تمنى نئيشا أن يكون أطاعني وقد حدثت بعد الأمور أمور



[ ص: 426 ] ومن النوش قول الراجز :


فهي تنوش الحوض نوشا من علا     نوشا به تقطع أجواز الفلا



ويقال للقوم في الحرب ، إذا دنا بعضهم إلى الرماح ولم يتلاقوا : قد تناوش القوم .

والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إنهما قراءتان معروفتان في قراء الأمصار ، متقاربتا المعنى ، وذلك أن معنى ذلك : وقالوا آمنا بالله ، في حين لا ينفعهم قيل ذلك ، فقال الله ( وأنى لهم التناوش ) أي : وأين لهم التوبة والرجعة ، أي : قد بعدت عنهم ، فصاروا منها كموضع بعيد أن يتناولوها ، وإنما [ ص: 427 ] وصفت ذلك الموضع بالبعيد ، لأنهم قالوا : ذلك في القيامة فقال الله : أنى لهم بالتوبة المقبولة ، والتوبة المقبولة إنما كانت في الدنيا ، وقد ذهبت الدنيا فصارت بعيدا من الآخرة ، فبأي القراءتين اللتين ذكرت قرأ القارئ فمصيب الصواب في ذلك .

وقد يجوز أن يكون الذين قرءوا ذلك بالهمز همزوا وهم يريدون معنى من لم يهمز ، ولكنهم همزوه لانضمام الواو فقلبوها ، كما قيل : ( وإذا الرسل أقتت ) فجعلت الواو من وقتت إذ كانت مضمومة همزوه .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا أبو كريب قال : ثنا ابن عطية قال : ثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن التميمي قال : قلت لابن عباس : أرأيت قول الله ( وأنى لهم التناوش ) قال : يسألون الرد وليس بحين رد .

حدثنا ابن حميد قال : ثنا حكام ، عن عنبسة ، عن أبي إسحاق ، عن التميمي ، عن ابن عباس نحوه .

حدثني علي قال : ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قوله ( وأنى لهم التناوش ) يقول : فكيف لهم بالرد .

حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء ، جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ( وأنى لهم التناوش ) قال : الرد .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ( وأنى لهم التناوش ) قال : التناوب ( من مكان بعيد ) .

حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله ( وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد ) قال : هؤلاء قتلى أهل [ ص: 428 ] بدر من قتل منهم ، وقرأ ( ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب وقالوا آمنا به ) الآية قال : التناوش : التناول ، وأنى لهم تناول التوبة من مكان بعيد وقد تركوها في الدنيا قال : وهذا بعد الموت في الآخرة .

قال : وقال ابن زيد في قوله ( وقالوا آمنا به ) بعد القتل ( وأنى لهم التناوش من مكان بعيد ) وقرأ ( ولا الذين يموتون وهم كفار ) قال : ليس لهم توبة ، وقال : عرض الله عليهم أن يتوبوا مرة واحدة ، فيقبلها الله منهم ، فأبوا ، أو يعرضون التوبة بعد الموت قال : فهم يعرضونها في الآخرة خمس عرضات ، فيأبى الله أن يقبلها منهم قال : والتائب عند الموت ليست له توبة ( ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ) الآية ، وقرأ ( ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون ) .

حدثنا عمرو بن عبد الحميد قال : ثنا مروان ، عن جويبر ، عن الضحاك فى قول ( وأنى لهم التناوش ) قال : وأنى لهم الرجعة .

وقوله ( من مكان بعيد ) يقول : من آخرتهم إلى الدنيا .

كما حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله ( من مكان بعيد ) من الآخرة إلى الدنيا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث