الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة

وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة .

هذا انتقال إلى وضح بعض أحوالهم التي لا يبرزونها إذا جاءوا إلى النبيء - صلى الله عليه وسلم - ولكنها تبرز من مشاهدتهم ، فكان الوضح الأول مفتتحا ب إذا جاءك المنافقون وهذا الوضح مفتتحا ب إذا رأيتهم .

فجملة وإذا رأيتهم معطوفة على جملة فهم لا يفقهون واقعة موقع الاحتراس والتتميم لدفع إيهام من يغره ظاهر صورهم .

واتبع انتفاء فقه عقولهم بالتنبيه على عدم الاغترار بحسن صورهم فإنها أجسام خالية عن كمال الأنفس كقول حسان ولعله أخذه من هذه الآية :

لا بأس بالقوم من طول ومن غلظ جسم البغال وأحلام العصافير

وتفيد مع الاحتراس تنبيها على دخائلهم بحيث لو حذف حرف العطف من [ ص: 239 ] الجملتين لصح وقوعهما موقع الاستئناف الابتدائي . ولكن أوثر العطف للتنبيه على أن هاتين صفتان تحسبان كمالا وهما نقيصتان لعدم تناسقهما مع ما شأنه أن يكون كمالا . فإن جمال النفس كجمال الخلقة إنما يحصل بالتناسب بين المحاسن وإلا فربما انقلب الحسن موجب نقص .

فالخطاب في هذه الآية لغير معين يشمل كل من يراهم ممن يظن أن تغره صورهم فلا يدخل فيه النبيء - صلى الله عليه وسلم - لأن الله قد أطلعه على أحوالهم وأوقفه على تعيينهم فهو كالخطاب الذي في قوله في سورة الكهف لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا .

والظاهر أن المراد بضمير الجمع واحد معين أو عدد محدود إذ يبعد أن يكون جميع المنافقين أحاسن الصور . وعن ابن عباس كان ابن أبي جسيما صحيحا صبيحا ذلق اللسان . وقال الكلبي : المراد ابن أبي والجد بن قيس ومعتب بن قشير كانت لهم أجسام ومنظر وفصاحة . وقال في الكشاف : وقوم من المنافقين في مثل صفة ابن أبي رؤساء المدينة .

وأجسام : جمع جسم بكسر الجيم وسكون السين وهو ما يقصد بالإشارة إليه أو ما له طول وعرض وعمق . وتقدم في قوله تعالى وزاده بسطة في العلم والجسم في سورة البقرة . وجملة وإن يقولوا تسمع لقولهم معترضة بين جملة وإذا رأيتهم إلخ وبين جملة كأنهم خشب مسندة .

والمراد بالسماع في قوله تسمع لقولهم الإصغاء إليهم لحسن إبانتهم وفصاحة كلامهم مع تغريرهم بحلاوة معانيهم تمويه حالهم على المسلمين .

فاللام في قوله لقولهم لتضمين ( تسمع ) معنى : تصغ أيها السامع ، إذ ليس في الإخبار بالسماع للقول فائدة لولا أنه ضمن معنى الإصغاء لوعي كلامهم .

وجملة كأنهم خشب مسندة مستأنفة استئنافا بيانيا جوابا عن سؤال ينشأ عن وصف حسن أجسامهم وذلاقة كلامهم ، فإنه في صورة مدح فلا يناسب ما قبله من ذمهم فيترقب السامع ما يرد بعد هذا الوصف .

[ ص: 240 ] ويجوز أن تكون الجملة حالا من ضميري الغيبة في قوله رأيتهم تعجبك أجسامهم .

ومعناه أن حسن صورهم لا نفع فيه لأنفسهم ولا للمسلمين .

و ( خشب ) بضم الخاء وضم الشين جمع خشبة بفتح الخاء وفتح الشين وهو جمع نادر لم يحفظ إلا في ثمرة ، وقيل ثمر جمع ثمار الذي هو جمع ثمرة فيكون ثمر جمع جمع . فيكون خشب على مثال جمع الجمع وإن لم يسمع مفرد . ويقال خشب بضم فسكون وهو جمع خشبة لا محالة ، مثل : بدن جمع بدنة .

وقرأه الجمهور بضمتين . وقرأه قنبل عن ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب بضمة فسكون .

والمسندة التي سندت إلى حائط أو نحوه ، أي أميلت إليه فهي غليظة طويلة قوية لكنها غير منتفع بها في سقف ولا مشدود بها جدار . شبهوا بالخشب المسندة تشبيه التمثيل في حسن المرأى وعدم الجدوى ، أفيد بها أن أجسامهم المعجب بها ومقالهم المصغى إليه خاليان عن النفع كخلو الخشب المسندة عن الفائدة ، فإذا رأيتموهم حسبتموهم أرباب لب وشجاعة وعلم ودراية . وإذا اختبرتموهم وجدتموهم على خلاف ذلك فلا تحتفلوا بهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث