الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " قل هو نبأ عظيم "

القول في تأويل قوله تعالى : ( قل هو نبأ عظيم ( 67 ) أنتم عنه معرضون ( 68 ) ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون ( 69 ) إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين ( 70 ) )

يقول - تعالى ذكره - لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - : ( قل ) يا محمد لقومك المكذبيك فيما جئتهم به من عند الله من هذا القرآن ، القائلين لك فيه : إن هذا إلا اختلاق ( هو نبأ عظيم ) يقول : هذا القرآن خبر عظيم .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني عبد الأعلى بن واصل الأسدي قال : ثنا أبو أسامة عن شبل بن عباد عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله ( قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون ) قال : القرآن .

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال : ثنا هشيم قال : أخبرنا هشام عن [ ص: 236 ] ابن سيرين عن شريح أن رجلا قال له : أتقضي علي بالنبأ ؟ قال : فقال له شريح : أوليس القرآن نبأ ؟ قال : وتلا هذه الآية : ( قل هو نبأ عظيم ) قال : وقضى عليه .

حدثنا محمد قال : ثنا أحمد قال : ثنا أسباط ، عن السدي قوله ( قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون ) قال : القرآن .

وقوله ( أنتم عنه معرضون ) يقول : أنتم عنه منصرفون لا تعملون به ، ولا تصدقون بما فيه من حجج الله وآياته .

وقوله ( ما كان لي من علم بالملإ الأعلى ) يقول لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - : قل يا محمد لمشركي قومك : ( ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون ) في شأن آدم من قبل أن يوحي إلي ربي فيعلمني ذلك ، يقول : ففي إخباري لكم عن ذلك دليل واضح على أن هذا القرآن وحي من الله وتنزيل من عنده ، لأنكم تعلمون أن علم ذلك لم يكن عندي قبل نزول هذا القرآن ، ولا هو مما شاهدته فعاينته ، ولكني علمت ذلك بإخبار الله إياي به .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي قال : ثني عمي قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله ( ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون ) قال : الملأ الأعلى : الملائكة حين شووروا في خلق آدم ، فاختصموا فيه ، وقالوا : لا تجعل في الأرض خليفة .

حدثنا محمد قال : ثنا أحمد قال : ثنا أسباط ، عن السدي ( بالملأ الأعلى إذ يختصمون ) هو : ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ) .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله [ ص: 237 ] ( ما كان لي من علم بالملأ الأعلى ) قال : هم الملائكة ، كانت خصومتهم في شأن آدم حين قال ربك للملائكة : ( إني خالق بشرا من طين ) . . . حتى بلغ ( ساجدين ) وحين قال : ( إني جاعل في الأرض خليفة ) . . . حتى بلغ ( ويسفك الدماء ) ففي هذا اختصم الملأ الأعلى .

وقوله ( إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين ) يقول - تعالى ذكره - لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - : قل يا محمد لمشركي قريش : ما يوحي الله إلي علم ما لا علم لي به ، من نحو العلم بالملأ الأعلى واختصامهم في أمر آدم إذ أراد خلقه ، إلا لأني إنما أنا نذير مبين ، ف "إنما " على هذا التأويل في موضع خفض على قول من كان يرى أن مثل هذا الحرف الذي ذكرنا لا بد له من حرف خافض ، فسواء إسقاط خافضه منه وإثباته . وأما على قول من رأى أن مثل هذا ينصب إذا أسقط منه الخافض ، فإنه على مذهبه نصب ، وقد بينا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع .

وقد يتجه لهذا الكلام وجه آخر ، وهو أن يكون معناه : ما يوحي الله إلا إنذاركم . وإذا وجه الكلام إلى هذا المعنى ، كانت " إنما " في موضع رفع ؛ لأن الكلام يصير حينئذ بمعنى : ما يوحى إلي إلا الإنذار .

قوله ( إلا أنما أنا نذير مبين ) يقول : إلا أني نذير لكم مبين لكم إنذاره إياكم . وقيل : إلا أنما أنا ، ولم يقل : إلا أنما أنك ، والخبر من محمد عن الله ، لأن الوحي قول ، فصار في معنى الحكاية ، كما يقال في الكلام : أخبروني أني مسيء ، وأخبروني أنك مسيء بمعنى واحد ، كما قال الشاعر :


رجلان من ضبة أخبرانا أنا رأينا رجلا عريانا

[ ص: 238 ] بمعنى : أخبرانا أنهما رأيا ، وجاز ذلك لأن الخبر أصله حكاية .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث