الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور )

وقوله تعالى : ( لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب ) اللغوب الإعياء ، والنصب هو السبب للإعياء ، فإن قال قائل : إذا بين أنه ( لا يمسهم فيها نصب ) علم أنه ( لا يمسنا فيها نصب ) ولا ينفي المتكلم الحكيم السبب ، ثم ينفي مسببه بحرف العطف ، فلا يقول القائل : لا أكلت ولا شبعت أو لا قمت ولا مشيت والعكس كثير ، فإنه يقال : لا شبعت ولا أكلت لما أن نفي الشبع لا يلزمه انتفاء الأكل ، وسياق ما تقرر أن يقال : لا يمسنا فيها إعياء ولا مشقة ، فنقول : ما قاله الله في غاية الجلالة وكلام الله أجل وبيانه أجمل ، ووجهه هو أنه تعالى بين مخالفة الجنة لدار الدنيا ، فإن الدنيا أماكنها على قسمين :

أحدهما : موضع نمس فيه المشاق والمتاعب كالبراري والصحاري والطرقات والأراضي .

والآخر : موضع يظهر فيه الإعياء كالبيوت والمنازل التي في [ ص: 26 ] الأسفار من الخانات ، فإن من يكون في مباشرة شغل لا يظهر عليه الإعياء إلا بعدما يستريح ، فقال تعالى : ( لا يمسنا فيها نصب ) أي ليست الجنة كالمواضع التي في الدنيا مظان المتاعب ، بل هي أفضل من المواضع التي هي مواضع مرجع العي ، فقال : ( ولا يمسنا فيها لغوب ) أي لا نخرج منها إلى مواضع نتعب ونرجع إليها ، فيمسنا فيها الإعياء ، وقرئ ( لغوب ) بفتح اللام والترتيب على هذه القراءة ظاهر كأنه قال : لا نتعب ولا يمسنا ما يصلح لذلك ، وهذا لأن القوي السوي إذا قال : ما تعبت اليوم لا يفهم من كلامه أنه ما عمل شيئا لجواز أنه عمل عملا لم يكن بالنسبة إليه متعبا لقوته ، فإذا قال : ما مسني ما يصلح أن يكون متعبا ، يفهم أنه لم يعمل شيئا ؛ لأن نفس العمل قد يصلح أن يكون متعبا لضعيف أو متعبا بسبب كثرته ، واللغوب هو ما يغلب منه ، وقيل : النصب التعب الممرض ، وعلى هذا فحسن الترتيب ظاهر ؛ كأنه قال : لا يمسنا مرض ولا دون ذلك ، وهو الذي يعيا منه مباشرة .

ثم قال تعالى : ( والذين كفروا لهم نار جهنم ) عطف على قوله : ( إن الذين يتلون كتاب الله ) وما بينهما كلام يتعلق بالذين يتلون كتاب الله على ما بينا ، وقوله : ( جنات عدن يدخلونها ) ( الرعد : 23 ) قد ذكرنا أنه على بعض الأقوال راجع إلى ( الذين يتلون كتاب الله ) .

ثم قال تعالى : ( لا يقضى عليهم فيموتوا ) أي لا يستريحون بالموت بل العذاب دائم .

وقوله تعالى : ( ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور ) أي النار ، وفيه لطائف :

الأولى : أن العذاب في الدنيا إن دام كثيرا يقتل ، فإن لم يقتل يعتاده البدن ويصير مزاجا فاسدا متمكنا لا يحس به المعذب ، فقال : عذاب نار الآخرة ليس كعذاب الدنيا ، إما أن يفني ، وإما أن يألفه البدن ، بل هو في كل زمان شديد والمعذب فيه دائم .

الثانية : راعى الترتيب على أحسن وجه ، وذلك لأن الترتيب أن لا ينقطع العذاب ولا يفتر ، فقال : لا ينقطع ولا بأقوى الأسباب ، وهو الموت حتى يتمنون الموت ، ولا يجابون ، كما قال تعالى : ( ونادوا يامالك ليقض علينا ربك ) ( الزخرف : 77 ) أي بالموت .

الثالثة : في المعذبين اكتفى بأنه لا ينقص عذابهم ، ولم يقل : نزيدهم عذابا ، وفي المثابين ذكر الزيادة بقوله : ( ويزيدهم من فضله ) ( النساء : 173 ) ثم لما بين أن عذابهم لا يخفف ، قال تعالى :

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث