الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث إن الله لا يمل حتى تملوا

260 230 - وفي هذا الباب حديث مالك ، عن إسماعيل بن أبي حكيم أنه بلغه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمع امرأة من الليل تصلي ، فقال : " من هذه ؟ " فقيل : الحولاء بنت تويت ، لا تنام الليل . فكره ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى عرفت الكراهية في وجهه ، ثم قال : " إن الله [ ص: 209 ] لا يمل حتى تملوا ، اكلفوا من العمل ما لكم به طاقة " .

التالي السابق


6458 - وقد ذكرنا في " التمهيد " من أسنده ووصله وهو حديث صحيح مسند .

6459 - والحولاء امرأة قرشية من بني أسد بن عبد العزى بن قصي ، والتويتات في بني أسد .

[ ص: 210 ] 6460 - وقد أوضحنا ذلك عند ذكرها في كتاب الصحابة .

6461 - وأما قوله : " إن الله لا يمل حتى تملوا " فمعناه عند أهل العلم : إن الله لا يمل من الثواب والعطاء على العمل حتى تملوا أنتم العمل وتقطعونه فينقطع عنكم ثوابه ، ولا يسأم من أفضاله عليكم إلا بسآمتكم عن العمل .

6462 - وأنتم متى تكلفتم من العمل والعبادة ما لا تطيقون وأسرفتم لحقكم الملل وضعفتم عن العمل ، فانقطع عنكم الثواب بانقطاع العمل .

6463 - يحضهم بهذا المعنى على القليل الدائم ، ويخبرهم أن النفوس لا تحتمل الإسراف عليها ، وأن ذلك سبب إلى قطع العمل .

6464 - ومن هذا حديث ابن مسعود قال : كان النبي يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا .

[ ص: 211 ] 6465 - ومنها أيضا قوله : " لا تشادوا الدين فإنه من غالب الدين يغلبه الدين " .

6466 - ومنه الحديث : " إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ، فإن المنبت لا يقطع أرضا ولا يبقي ظهرا " .

6467 - وقال - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عمرو بن العاص - وكان يصوم النهار ويقوم الليل - : " لا تفعل ، فإنك إذا فعلت نفهت نفسك " .

6468 - أي أعيت وكلت ، يقال للمعيي منفه ونافه ، وجمع نافه : نفه .

6469 - كذلك فسره أبو عبيد ، عن أبي عبيدة وأبي عمرو ، قال الأصمعي : الإيغال : السير الشديد ، وأما الوغول فهو الدخول .

[ ص: 212 ] 6470 - وقد جعل مطرف بن عبد الله بن الشخير - رحمه الله - الغلو [ ص: 213 ] في أعمال البر سيئة ، والتقصير سيئة ، فقال : الحسنة بين السيئتين .

6471 - وأما لفظه في قوله : " إن الله لا يمل حتى تملوا " فهو لفظ خرج على مثال لفظ ، ومعلوم أن الله عز وجل لا يمل سواء مل الناس أو لم يملوا ، ولا يدخله ملال في شيء من الأشياء جل عن ذلك وتعالى علوا كبيرا .

6472 - وإنما جاء لفظ هذا الحديث على المعروف من لغة العرب ; فإنهم إذا وضعوا لفظا بإزاء لفظ جوابا له أو جزءا ذكروه بمثل لفظه وإن كان مخالفا له معناه .

6473 - ألا ترى إلى قوله عز وجل : وجزاء سيئة سيئة مثلها ( الشورى : 40 ) .

6474 - وقوله تعالى : " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " ( البقرة : 194 ( .

6475 - والجزاء لا يكون سيئة ، والقصاص لا يكون اعتداء ، لأنه حق وجب .

6476 - ومثل ذلك قول الله عز وجل : ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ( آل عمران : 54 ( 6477 - وقوله تعالى : " إنما نحن مستهزئون الله يستهزئ بهم " ( البقرة : 14 ) .

6478 - وقوله تعالى : إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا ( الطارق : 15 - 16 ( 6479 - وليس من الله مكر ولا هزو ولا كيد ، إنما هو جزاء مكرهم واستهزائهم وكيدهم ، فذكر الجزاء بمثل لفظ الابتداء لما وضع بحذائه وقبالته .

6480 - فكذلك قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله لا يمل حتى تملوا " . أي من مل فقطع عمله انقطع عنه الجزاء .

[ ص: 214 ] 6481 - روى الأوزاعي وغيره عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " خذوا من العمل قدر ما تطيقون ; فإن الله لا يمل حتى تملوا " .

6482 - قالت : وكان أحب العمل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما داوم عليه صاحبه وإن قل .

6483 - وبعضهم يرويه : وكان أحب الصلاة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما داوم عليها صاحبها وإن قلت .

6484 - وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى صلاة داوم عليها .

6485 - ثم قرأ أبو سلمة : " الذين هم على صلاتهم دائمون " ( المعارج : 23 ) .

6486 - وقد تقدم بعض القول في صلاة الليل ، وأن قول القائل بأنه فرض ولو كقدر حلب شاة ، قول متروك وشذوذ ، والعلماء على خلافه كلهم يقولون : إنه فضيلة لا فريضة ، ولو كان قيام الليل فرضا لكان مقدرا موقتا معلوما كسائر الفرائض .

6487 - وقد روى قتادة عن زرارة بن أوفى ، عن سعد بن هشام ، عن عائشة أنه قال لها : حدثيني عن قيام الليل . فقالت : ألست تقرأ سورة المزمل ؟ قلت : بلى . قالت : فإن أول هذه السورة نزلت فقام أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى انتفخت أقدامهم وحبست خاتمتها في السماء اثني عشر شهرا ، ثم أنزل [ ص: 215 ] آخرها فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة .

6488 - ومن حديث أبي هريرة ، عن النبي أنه قال : " أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم ، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل " .

6489 - وقد ذكرنا إسناد هذا الحديث وما كان مثله من معاني هذا الباب في " التمهيد " .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث