الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

ثم لما أنهى الكلام على أركانه ذكر بعض سننه بقوله ( وتندب ) للمتيمم ( التسمية ) أوله كالوضوء والغسل ولو لنحو جنب والذكر آخره السابق ثم وذكر [ ص: 302 ] الوجه واليدين والسواك والغرة والتحجيل وأن لا يرفع يده عن الوضوء حتى يتم مسحه وتخليل أصابعه كما يأتي ( ومسح وجهه ويديه بضربتين ) لورود ذلك في الأخبار ، ولأن المقصود إيصال التراب وقد حصل ( قلت : الأصح المنصوص وجوب ضربتين وإن أمكن بضربة بخرقة ونحوها ) كأن يأخذ خرقة كبيرة يضرب بها ثم يمسح ببعضها وجهه وبباقيها مثلا يديه دفعة واحدة ( والله أعلم ) لخبر الحاكم { التيمم ضربتان : ضربة للوجه ، وضربة لليدين إلى المرفقين } .

وروى أبو داود { أنه صلى الله عليه وسلم تيمم بضربتين : مسح بإحداهما وجهه ، وبالأخرى ذراعيه } ولأن الاستيعاب غالبا لا يتأتى بدونهما فأشبه الأحجار الثلاثة في الاستنجاء ، ولأن الزيادة جائزة بالاتفاق ، فلو جاز أيضا النقصان لم يبق للتقييد بالعدد فائدة ، ومفهوم كلامهم واستدلالهم بحديث عمار ونحوه يدل على أن الضرب باليدين دفعة واحدة يحسب ضربة ، بخلاف ما إذا ضرب يدا ثم يدا ، وتكره الزيادة على ضربتين .

نعم إن لم يحصل الاستيعاب بهما لم تكره الزيادة بل تجب ، ولو ضرب بنحو خرقة ضربة ومسح بها وجهه ويديه سوى جزء منهما أو من إحداهما كأصبع ثم ضرب ضربة أخرى ومسح بها ذلك الجزء جاز لوجود الضربتين كما هو ظاهر عبارة المصنف وظاهر الحديث السابق يخالفه ، ولا يشكل على ما تقرر جواز التمعك [ ص: 303 ] لأن المراد بالضرب النقل ولو بالعضو المسموح كما مر لا حقيقة الضرب .

وآثروا التعبير بالضرب لموافقة لفظ الحديث وللغالب ، إذ يكفي وضع اليد على تراب ناعم بدونه ( ويقدم ) ندبا ( يمينه ) على يساره ( وأعلى وجهه ) على أسفله كالوضوء ، ويأتي به على كيفيته المشهورة ، وهي أن يضع بطون أصابع اليسرى سوى الإبهام على ظهور أصابع اليمنى سوى الإبهام بحيث لا تخرج أنامل اليمنى عن مسبحة اليسرى ، ولا مسبحة اليمنى عن أنامل اليسرى ويمرها على ظهر كفه اليمنى ، فإذا بلغ الكوع ضم أطراف أصابعه إلى حرف الذراع ويمرها إلى المرفق ، ثم يدير بطن كفه إلى بطن الذراع فيمرها عليه رافعا إبهامه ، فإذا بلغ الكوع أمر إبهام اليسرى على إبهام اليمنى ثم يفعل باليسرى كذلك ، ثم يمسح إحدى الراحتين بالأخرى وإنما لم يجب لأن فرضهما حصل بضربهما بعد مسح وجهه ، وجاز مسح ذراعيه بترابهما لعدم انفصاله مع الحاجة ، إذ لا يمكن مسح الذراع بكفها فصار كنقل الماء من بعض العضو إلى بعضه ، قاله في المجموع ، ومراده كما بحثه الشيخ بنقل الماء تقاذفه الذي يغلب كما عبر به الرافعي ( وتخفيف الغبار ) بنفخه ونفض اليد إذا كان كثيرا بحيث لا يبقى إلا قدر الحاجة { لأنه عليه الصلاة والسلام نفض يديه ونفخ فيهما } ، وأما مسح التراب عن أعضاء التيمم فالأحب كما في الأم أن لا يفعله حتى يفرغ من الصلاة ( وموالاة التيمم كالوضوء ) لأن كلا منهما طهارة عن حدث ، ويأتي فيه القولان المتقدمان ويقدر الممسوح مغسولا كما مر .

ويستحب الموالاة بين التيمم والصلاة وتجب في تيمم دائم الحدث كما تجب في وضوئه ، وتجب أيضا في وضوء السليم عند ضيق وقت الفريضة ( قلت : وكذا الغسل ) أي تستحب موالاته كالوضوء لما ذكر من كونه طهارة ( ويندب تفريق أصابعه أولا ) أي أول كل ضربة لأنه أبلغ في إثارة الغبار فلا يحتاج إلى زيادة عليهما ، وليستغنى في الثانية بالواصل عن المسح بما على الكف ولا يلزم على التفريق في الأولى عدم صحة التيمم ، لأنه لو اقتصر على التفريق فيها أجزأه لعدم وجوب ترتيب النقل كما مر ، فحصول التراب الثاني إن لم يزد الأول قوة لم ينقصه ، والغبار الحاصل من الأولى لا يمنع المسح بدليل أن من غشيه غبار السفر لا يكلف نفضه كما ذكره الرافعي وقول البغوي : يكلف نفض التراب محمول على تراب يمنع وصول التراب إلى المحل ، وأما قول القفال إنه إذا فرق في الأولى [ ص: 304 ] لا يصح تيممه فهو جار على ما مر عنه من اشتراط القصد لعضو معين وهو وجه ضعيف .

ويستحب أن يخلل أصابع يديه بعد مسحهما بالتشبيك كالوضوء ، ويجب إن لم يفرقها في الضربتين ليوصل التراب إلى المحل الواجب مسحه أو فرق في الأولى دون الثانية : لأن ما وصل إليه قبل مسح وجهه لا يعتد به في حصول المسح فاحتاج إلى التخليل ليحصل ترتيب المسحين ( ويجب نزع خاتمه في الثانية ، والله أعلم ) ليبلغ التراب محله ، بخلاف الوضوء لأن التراب كثيف لا يسري إلى ما تحت الخاتم ، بخلاف الماء ، وأفهم كلامه عدم وجوبه في الأولى وهو كذلك لكنه يستحب ليكون مسح الوجه باليد اتباعا للسنة ، وإيجاب نزعه إنما هو عند المسح لا عند الضرب كما نبه عليه السبكي ، وإيجابه ليس لعينه بل لإيصال التراب لما تحته لأنه لا يتأتى غالبا إلا بالنزع حتى لو حصل الغرض بتحريكه أو لم يحتج إلى واحد منهما لسعته كفى ، كما أنه لو كان ضيقا بحيث يعلم عدم وصول الماء إلى ما تحته في الطهر به إلا بتحريكه أو نزعه وجب .

لا يقال تحريك الخاتم غير كاف وإن اتسع إذ بانتقاله للخاتم ثم عوده للعضو يصير مستعملا ، وليس كانتقاله لليد الماسحة ثم عوده للحاجة إلى هذا دون ذاك لأنا نمنع انتفاء الحاجة هنا لصيرورته نائبا عن مباشرة اليد ، وأيضا فوصول التراب لمحل مع عدم الاعتداد به في حكم عدم وصوله فبرفعه ثم عوده يفرض كأنه أول ما وصله الآن فافهم ، والخاتم بفتح التاء وكسرها .

ويسن عدم تكرار المسح لأن المطلوب فيه تخفيف الغبار وأن يستقبل به القبلة ، وشرط صحته عدم نجاسة على المتيمم ، فلو مسح وعلى بدنه نجاسة لم يصح تيممه لأن التيمم لإباحة الصلاة ولا إباحة مع المانع ، فأشبه التيمم قبل الوقت كما مر ولهذا لو تيمم قبل استنجائه لم يصح تيممه ، كما صححه في التحقيق ثم وهو المنصوص المفتى به ، ولو تنجس بدنه بعد تيممه لم يبطل إن تيمم قبل ستر عورته وهو متمكن من سترها صح لأن منافاة النجاسة للصلاة أشد من منافاة كشف العورة ، أو تيمم قبل الاجتهاد في القبلة فالأوجه الصحة لقلة المنافاة لها ، بخلاف النجاسة ، ولهذا لو صلى أربع ركعات إلى أربع جهات صحت من غير إعادة .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( قوله : كالوضوء ) يؤخذ منه أنه لو تركها أوله أتى بها في أثنائه ( قوله : والذكر إلخ ) أي وصلاة ركعتي سنة التيمم ( قوله : وذكر الوجه إلخ ) بناء على ندبه حج وتقدم ندب التسمية ، ولا يتأتى هنا شيء من بقية أذكار الوضوء لاختصاص التيمم بالوجه واليدين ( قوله : والسواك ) ومحله بين التسمية والنقل كما أنه في الوضوء بين غسل اليدين والمضمضة انتهى حج .

أقول : وهو يفيد أن التسمية لا تستحب مقارنتها للنقل على خلاف ما مر من استحباب مقارنتها لغسل الكفين في الوضوء .

وقياس ما ذكره في التيمم أن يقال بمثله في الغسل فيسن التسمية له ثم السواك قبل استعمال الماء ، وعلى قياس الوضوء من مقارنة التسمية لغسل الكفين ينبغي أن يقارن هنا أول النقل فيكون السواك قبل النقل والتسمية [ ص: 302 ] قوله : قلت : الأصح ) هو هنا بمعنى الراجح بقرينة جمعه بينه وبين المنصوص ، ولا يصح حمله على ظاهره لما يلزم عليه من التنافي ، فإن الأصح من الأوجه للأصحاب والمنصوص للإمام وفي الوصف بهما معا تناف ( قوله : ثم يمسح إلخ ) البطلان على هذا الوجه واضح لكنه لعدم الترتيب لا لعدم تعدد الضرب .

وقد مر أن خصوص الضرب ليس بشرط ، بل المدار على تعدد النقل وهو حاصل فيما لو مسح ببعض الخرقة وجهه ثم بباقيها يديه ( قوله : واستدلالهم ) أي ومفهوم استدلالهم وإنما قلنا ومفهوم استدلالهم ولم نقل واستدلالهم ، لأن خبر عمار { إنما كان يكفيك } إلخ وهي من المفهوم ( قوله : ضرب يدا ثم يدا ) أي فإنه يحسب ضربتين ، وعليه فلو مسح بالأولى وجهه وإحدى يديه ، وبالثانية الأخرى أجزأ ( قوله : ذلك الجزء ) هو واضح بالنسبة لقوله أو أحدهما .

أما قوله سوى جزء منهما فمشكل لأنه إذا ترك من وجهه جزءا وإن قل لا يصح مسح يديه لعدم الترتيب ، ويمكن الجواب بأن صورته أن يمسح وجهه ببعض أجزاء الخرقة ثم يضرب بيده الأرض مثلا فيمسح ببعضها باقي الوجه ثم يمسح بباقي الخرقة يديه إلا جزءا ثم يمسح بما بقي فيما ضرب به الجزء الباقي من اليد إلا أن هذه في الحقيقة ثلاث ضربات لا ثنتان فالأولى الاقتصار على أن يمسح بها الوجه جميعه واليدين إلا جزءا على ما تقرر من أنه لو مسح وجهه ويديه بضربة واحدة لم يكف فالواجب إعادة مسح آخر جزء من يديه والاكتفاء بالضربة الواحدة في مسح ما عدا الجزء الأخير ( قوله : الحديث السابق ) وهو قوله روى أبو داود إلخ فيحمل الحديث على أن المراد فيه تعدد الضرب فقط ولا يشترط أن [ ص: 303 ] تكون واحدة للوجه وأخرى لليدين حتى تنتفي المخالفة ( قوله : بدونه ) أي الضرب ( قوله ويأتي به إلخ ) قال حج وأسقط من أصله ندب الكيفية المشهورة في مسح اليدين لعدم ثبوت شيء فيها ومن ثم نقل عن الأكثرين أنها لا تندب لكنه مشى في الروضة على ندبها ( قوله فإذا بلغ الكوع ) أي في العود ( قوله : ثم يمسح إلخ ) أي ندبا أخذا من قوله : وإنما لم إلخ ( قوله : وإنما لم يجب ) أي مسح إحدى الراحتين .

( قوله : أن لا يفعله ) ظاهره وإن حصل منه تشويه وهو ظاهر لأنه أثر عبادة ( قوله : من الصلاة ) أي التي فعلها فرضها ونفلها فيستحب إدامته حتى يفرغ من الرواتب البعدية ومن الوتر إذا فعله أول الليل ( قوله : فيه القولان ) الجديد القائل بالسنية والقديم القائل بالوجوب ( قوله : من كونه ) أي الغسل ( قوله : عدم صحة التيمم ) أي بالتراب الحاصل بين الأصابع لأنه وصل إليها قبل مسح الوجه وذلك لما أشار إليه من أنه حين وصل إليها لم يزل المانع وإنما أزاله بعد مسح الوجه ، فالمتقدم على مسح الوجه هو النقل لا المسح وترتيب النقل ليس بشرط ( قوله : لا يكلف نفضه ) أي عند إرادة التيمم ( قوله محمول على تراب إلخ ) قد يشكل عليه ما تقدم أن الخليط يضر وإن قل لمنعه من وصول التراب إلى العضو الممسوح ، فقياسه [ ص: 304 ] هنا وجوب النفض مطلقا اللهم إلا أن يقال مراده بالتراب المانع ما يلصق بالعضو فيحول بين التراب الممسوح به وبين العضو ، ومراده بما لا يمنع تراب خشن لا يلصق بالعضو فلا يحول بين تراب التيمم والعضو ، وهذه التفرقة كالتفرقة في الرمل بين ما يلصق وما لا يلصق ، ومع ذلك ففيه شيء لأن الفرض أن تراب السفر على العضو وهو يقتضي منع وصول تراب التيمم مطلقا ( قوله على ما مر عنه ) أي في قوله قبيل قول المصنف ويندب التسمية فلو أخذ التراب ليمسح به وجهه إلخ ( قوله : بتحريكه ) خلافا لحج .

( قوله : وعلى بدنه نجاسة ) خرج به ما لو أزالها ولو حكما كما في الاستنجاء بالحجر كما صرحوا به في المستحاضة .

وعبارة الشارح ثم بعد قول المصنف فتغسل المستحاضة فرجها : أي إن أرادته وإلا استعملت الأحجار بناء على جوازها في النادر وهو الأصح ، ثم قال : وبعد ذلك : أي الغسل أو استعمال الأحجار يتوضأ أو يتيمم ( قوله : لم يصح ) أي سواء قدر على إزالة النجاسة أو لا ، وعليه فلو عجز عن إزالتها صلى على حاله كفاقد الطهورين لحرمة الوقت ويعيد .

وقيد حج البطلان بما إذا كان معه من الماء ما يكفي لإزالة الخبث القادر على إزالته انتهى .

ومفهومه أنه لو عجز عن إزالة النجاسة صح تيممه ( قوله : فالأوجه الصحة ) خلافا لحج .



حاشية المغربي

( قوله : كأن يأخذ خرقة إلخ ) سيأتي أن المراد بالضرب النقل ، وتصويره بما ذكر يوهم أن المراد حقيقة الضرب ، فلو صور بقوله كأن معك وجهه ، ويديه في التراب معا كان أولى ، على أنا نمنع انتفاء الضربتين إذا مسح وجهه ، ويديه معا للقطع بأن مسح الوجه غير مسح اليدين ، غاية الأمر أنه انتفى الترتيب بينهما

( قوله : سوى جزء منهما أو من إحداهما ) بإثبات ألف مع الدال في إحداهما تأنيث أحد خلافا لما في نسخ فالضمير فيه كالضمير في منهما لليدين فلا يرد أن الترتيب واجب بين الوجه ، واليدين فلا يتصور بقاء جزء من اليدين مع بقاء جزء من الوجه ; لأنه ما دام جزء من الوجه باقيا فجميع [ ص: 303 ] مسح اليدين باقي لعدم دخول وقته ( قوله : ; لأن المراد بالضرب النقل إلخ ) لا يخفى أن ما مر قبله إنما يأتي على أن المراد حقيقة الضرب

، والحاصل أن التعريفات المارة ، والآتية إنما تأتي على ذلك ( قوله : بدليل أن من غشيه غبار السفر لا يكلف نفضه ) يشكل عليه ما مر من كون الخليط يضر مطلقا وإن قل للفرق الظاهر بين ما على العضو خصوصا [ ص: 304 ] وهو من جنس التراب الممسوح به وبين خليط أجنبي طارئ فاندفع ما في حاشية الشيخ هنا



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث