الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


290 [ ص: 311 ] 8 - كتاب صلاة الجماعة [ ص: 312 ] [ ص: 313 ] باب فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ

260 - ذكر فيه مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر أن رسول الله [ ص: 314 ] - صلى الله عليه وسلم - قال : " صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة " .

261 - وعن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءا " .

[ ص: 315 ]

التالي السابق


[ ص: 315 ] 6980 - قال أبو عمر : معنى قوله في هذا الحديث : " جزءا " وفي حديث ابن عمر : " درجة " وفي حديث أبي سعيد الخدري : " خمسا وعشرين صلاة " ذكره أبو داود - معنى واحدا كله ، يريد تضعيف ثواب المصلي في جماعة على ثواب المصلي وحده ، وفضل أجر من صلى في جماعة على أجر المنفرد في صلاته بالأجزاء المذكورة .

[ ص: 316 ] 6981 - ويشهد لهذا حديث أنس بن مالك وغيره في حديث الإسراء ، قال فيه : " هي خمس ، وهي خمسون ، الحسنة بعشر أمثالها " .

6982 - وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اثنان فما فوقهما جماعة " .

6983 - حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم ، قال : حدثنا أحمد بن زهير ، قال : حدثنا الحوطي ، قال : حدثنا بقية بن الوليد ، عن عيسى بن إبراهيم ، عن موسى بن أبي حبيب ، عن الحكم بن عمير ، وكان من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اثنان فما فوقهما جماعة " .

6984 - قال الحوطي : حدثت به سفيان بن عيينة في المنام بإسناده فقال : صدق .

6985 - قال أبو عمر : قد استدل قوم بهذه الأحاديث على الأفضل لكثير الجماعة على قليلها ، وبما عليه أكثر العلماء فيمن صلى في جماعة اثنين فما فوقهما ألا يعيد في جماعة أخرى بأكثر منها .

6986 - ومعلوم أن إعادة الفذ لما صلى وحده مع الجماعة إنما كان لفضل الجماعة على الانفراد .

6987 - فإذا لم يعد من صلى مع اثنين أو ثلاثة في الجماعة الكثيرة دل على ما وصفناه .

[ ص: 317 ] 6988 - وقد رويت آثار مرفوعة منها .

6989 - حديث أبي بن كعب وغيره ، أن صلاة الرجل مع الرجلين أفضل من صلاته وحده ، وصلاته مع الثلاثة أفضل من صلاته مع الرجلين ، وكلما كثر كان أزكى وأطيب .

6990 - وهي آثار كثيرة ليست في القوة والثبوت والصحة كآثار هذا الباب .

6991 - وقد قلنا : إن الفضائل لا مدخل فيها للقياس والنظر ، وإنما يقال فيها بما صح التوقيف به ، والله يتفضل بما شاء من رحمته على من يشاء من عباده .

6992 - وفي هذا الحديث من رواية ابن عمر ، وأبي هريرة دليل على جواز صلاة الفذ وحده ، وإن كانت صلاة الجماعة أفضل .

6993 - وإذا جازت صلاة الفذ وحده بطل أن يكون شهود صلاة الجماعة فرضا .

6994 - لأنه لو كانت فرضا لم تجز للفذ صلاته وهو قادر على الجماعة تارك لها .

6995 - كما أن الفذ لا يجزئه يوم الجمعة أن يصلي قبل الإمام ظهرا إذا كان ممن تجب عليه الجمعة .

6996 - قد احتج بهذا جماعة من العلماء ، وعلى هذا أكثر الفقهاء بالحجاز والعراق والشام ، كلهم يقولون : إن حضور الصلاة في جماعة فضيلة وسنة مؤكدة لا ينبغي تركها وليست بفرض .

[ ص: 318 ] 6997 - ومنهم من قال : إنها فرض على الكفاية .

6998 - ومنهم من قال : شهودها سنة مؤكدة لا يرخص في تركها للقادر عليها ، ومن تخلف عنها وأتى بها في بيته جزت عنه ، إلا أن من صلاها في المسجد جماعة أفضل منه ، ولهم في ذلك دلائل يطول ذكرها .

6999 - وقال داود ، وسائر أهل الظاهر : حضور صلاة الجماعة فرض متعين على كل مكلف من الرجال إذا كان قادرا عليها ، كالجمعة .

7000 - وقالوا : لا تجزئ الفذ صلاته إلا بعد صلاة الناس ، وبعد ألا يجد - قبل خروج الوقت - من يصلي معه .

7001 - واحتجوا في إيجاب شهود الجماعة فرضا بأشياء ، منها :

7002 - حديث أبي هريرة عن النبي في إحراق بيوت المتخلفين عن الصلاة معه .

[ ص: 319 ] 7003 - وقالوا : لا يحرق عليهم بيوتهم إلا لتركهم ما قد وجب عليهم .

7004 - وسيأتي القول في معنى حديث أبي هريرة وما كان مثله في ذلك عند ذكره من رواية مالك في هذا الباب ، إن شاء الله تعالى .

7005 - واحتجوا أيضا بظواهر آثار . منها قوله - صلى الله عليه وسلم - لعتبان بن مالك ولابن أم مكتوم حين استأذنه كل واحد منهما في التخلف عن صلاة الجماعة : " أتسمع النداء ؟ " قال : نعم . قال : " لا أجد لك رخصة " .

[ ص: 320 ] 7006 - وقوله - صلى الله عليه وسلم - : " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " .

7007 - وقوله : " فمن سمع النداء ولم يجب فلا صلاة له " .

7008 - وهذا القول منه - صلى الله عليه وسلم - عند جمهور العلماء خرج على شهود الجمعة لا على شهود الجماعة في غيرها .

7009 - وكذلك قوله لعتبان بن مالك وابن أم مكتوم .

7010 - هذا لو صح الأثر بما ذكروا . فكيف وهي آثار فيها علل وهي محتملة للتأويل .

7011 - وكذلك قوله : " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " لا يثبت مرفوعا ، ولو صح كان معناه الكمال كما قال : " لا إيمان لمن لا أمانة له ، [ ص: 321 ] ولا يزني الزاني وهو مؤمن " .

7012 - وقد بينا هذا المعنى في " التمهيد " ، والحمد لله .

7013 - قال أبو عمر : لا يخلو قوله - صلى الله عليه وسلم - : " صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ " من أحد ثلاثة أوجه .

7014 - إما أن يكون المراد بذلك صلاة النافلة .

7015 - أو يكون المراد بذلك من تخلف من عذر .

7016 - أو يكون المراد بذلك من تخلف من غير عذر .

7017 - وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة " .

7018 - فعلمنا بذلك أنه لم يرد بحديث هذا الباب صلاة النافلة ; لأنه قد فضل صلاة المنفرد في بيته .

7019 - وكذلك لما قال - صلى الله عليه وسلم - : " من كان له صلاة بليل فغلبه عليها نوم [ ص: 322 ] كتب له أجر صلاته ، وكان نومه عليه صدقة .

7020 - وقال - صلى الله عليه وسلم - : " إذا شغل العبد عن عمل كان يعمله - مرض ابتلاه الله به كتب له أجر ذلك العمل ما دام في وثاق مرضه .

7021 - ومثل هذا كثير قد ذكرناه فيما مضى من هذا الكتاب .

7022 - علمنا بذلك أن من تخلف من عذر فلم يدخل في معنى الحديث .

7023 - وإذا بطل هذان الوجهان صح أن المراد بذلك هو المتخلف عما ندب إليه ، وجب وجوب سنة عليه بغير عذر .

7024 - وعلمنا أن النبي لم يفاضل بينهما إلا وهما جائزان إلا أن أحدهما أفضل من الآخر .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث