الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان "

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 300 ] القول في تأويل قوله تعالى ( يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ( 168 ) )

قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك : يا أيها الناس كلوا مما أحللت لكم من الأطعمة على لسان رسولي محمد صلى الله عليه وسلم فطيبته لكم - مما تحرمونه على أنفسكم من البحائر والسوائب والوصائل وما أشبه ذلك مما لم أحرمه عليكم دون ما حرمته عليكم من المطاعم والمآكل فنجسته من ميتة ودم ولحم خنزير وما أهل به لغيري . ودعوا خطوات الشيطان - الذي يوبقكم فيهلككم ، ويوردكم موارد العطب ، ويحرم عليكم أموالكم - فلا تتبعوها ولا تعملوا بها ، إنه يعني بقوله : " إنه " إن الشيطان ، و" الهاء " في قوله : " إنه " عائدة على الشيطان لكم أيها الناس " عدو مبين " ، يعني : أنه قد أبان لكم عداوته ، بإبائه عن السجود لأبيكم ، وغروره إياه حتى أخرجه من الجنة ، واستزله بالخطيئة ، وأكل من الشجرة .

يقول تعالى ذكره : فلا تنتصحوه ، أيها الناس ، مع إبانته لكم العداوة ، ودعوا ما يأمركم به ، والتزموا طاعتي فيما أمرتكم به ونهيتكم عنه مما أحللته لكم وحرمته عليكم ، دون ما حرمتموه أنتم على أنفسكم وحللتموه ، طاعة منكم للشيطان واتباعا لأمره .

ومعنى قوله : " حلالا " ، طلقا . وهو مصدر من قول القائل : " قد حل لك هذا الشيء " ، أي صار لك مطلقا ، " فهو يحل لك حلالا وحلا " ، ومن [ ص: 301 ] كلام العرب : " هو لك حل " ، أي : طلق .

وأما قوله : " طيبا " فإنه يعني به طاهرا غير نجس ولا محرم .

وأما "الخطوات " فإنه جمع " خطوة " ، و" الخطوة " بعد ما بين قدمي الماشي . و" الخطوة " بفتح " الخاء " " الفعلة " الواحدة من قول القائل : " خطوت خطوة واحدة " . وقد تجمع "الخطوة " " خطا" و"الخطوة" تجمع " خطوات " ، " وخطاء " .

والمعنى في النهي عن اتباع خطواته ، النهي عن طريقه وأثره فيما دعا إليه ، مما هو خلاف طاعة الله تعالى ذكره .

واختلف أهل التأويل في معنى " الخطوات " . فقال بعضهم : خطوات الشيطان : عمله .

ذكر من قال ذلك :

2438 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال : حدثنا عبد الله بن صالح قال : حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " خطوات الشيطان " ، يقول : عمله .

وقال بعضهم : " خطوات الشيطان " ، خطاياه .

ذكر من قال ذلك :

2439 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله : " خطوات الشيطان " قال : خطيئته .

2440 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : خطاياه . [ ص: 302 ]

2441 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " ولا تتبعوا خطوات الشيطان " قال : خطاياه .

2442 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال : حدثنا يزيد قال : أخبرنا جويبر عن الضحاك قوله : " خطوات الشيطان " قال : خطايا الشيطان التي يأمر بها .

وقال آخرون : " خطوات الشيطان " ، طاعته .

ذكر من قال ذلك :

2443 - حدثني موسى بن هارون قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط عن السدي : " ولا تتبعوا خطوات الشيطان " ، يقول : طاعته .

وقال آخرون : " خطوات الشيطان " ، النذور في المعاصي .

ذكر من قال ذلك :

2444 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا جرير ، عن سليمان عن أبي مجلز في قوله : " ولا تتبعوا خطوات الشيطان " قال : هي النذور في المعاصي .

قال أبو جعفر : وهذه الأقوال التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه في تأويل قوله : " خطوات الشيطان " ، قريب معنى بعضها من بعض؛ لأن كل قائل منهم قولا في ذلك ، فإنه أشار إلى نهي اتباع الشيطان في آثاره وأعماله ، غير أن حقيقة تأويل الكلمة هو ما بينت ، من أنها "بعد ما بين قدميه" ، ثم تستعمل في جميع آثاره وطرقه ، على ما قد بينت .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث