الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان فضل العالم على سائر الناس

بيان فضل العالم على سائر الناس

وعن أبي أمامة الباهلي، قال: ذكر لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجلان، أحدهما عابد، والآخر عالم؛ أي: أيهما أفضل من الآخر؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم».

قال في الترجمة: تأمل ما في هذه المبالغة! فالأول فضله -صلى الله عليه وسلم- على الأنبياء [ ص: 222 ] والمرسلين، ثم على الصحابة، لا سيما على من هو أدنى من جميعهم. انتهى.

قلت: الحديث يدل على أنه ينبغي للمرء أن يسعى في كسب العلوم، فوق سعيه في العبادة؛ لأن نفع العلم متعد إلى الغير، ونفع العبادة لازم لنفسه، والمتعدي يفضل على اللازم.

ولا شك أن المراد بهذا العالم: من هو على طريقة الأنبياء من العمل الصالح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا هؤلاء الفضلاء الذين هم منهمكون في علوم غير الأنبياء، وينظرون إلى العلماء بالكتاب والسنة بعين الازدراء، بل أولئك بمعزل عن مصداق هذا الحديث.

والجهلة إذا سمعوا أن فلانا عالم، علموا أن كل ما يقوله هو صواب وحق، ولا يميزون بين العالم بالله ولله، وبين العالم السوء طالب العلم للدنيا.

ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إن الله وملائكته، وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت» أي: في الماء «ليصلون على معلم الناس الخير» أي: العلم والحكمة.

وفيه: إشارة إلى علة تفضيل العالم على العابد، وإلى أن المفضل عالم يعلم الناس؛ تعدية لنعمة العلم إلى الغير، وتفضيلا له على العبادة الغير المتعدية. رواه الترمذي، ورواه الدارمي عن مكحول مرسلا. ولم يذكر: رجلان، وقال: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، ثم تلا هذه الآية: إنما يخشى الله من عباده العلماء [فاطر: 28] وسرد الحديث إلى آخره.

وقد دلت تلاوة الآية الشريفة على أن المراد بالعالم وفضله على العابد: من كان خاشيا، والخاشي لا بد أن يأتي بالواجبات، ويجتنب الكبائر، وإن لم يزدد في العبادة.

وقد ورد في حديث ابن عباس يرفعه: «فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد» رواه الترمذي، وابن ماجه.

[ ص: 223 ] قال في الترجمة: إن كان المراد بالفقيه: من أعطي فهما في الدين، وتفطنا بمداركه وموارده، فهو رجل عارف بمكائد الشيطان ومداخله. وعلم الخواطر، وإن كان المراد به العالم بأحكام الدين والشريعة وتفاصيلها مما يجوز ولا يجوز، فلا بد أن يكون على حذر من الوقوع في المحرمات.

وأقل القليل ألا يقع في استخفاف المعصية واستحلالها، ولا يصير كافرا، بخلاف المتعبد الذي ليس في درجته في هذين الأمرين. انتهى.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث