الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - رحمه الله تعالى - والأفضل أن يكون المذكي مسلما فإن ذبح مشرك نظرت فإن كان مرتدا أو وثنيا أو مجوسيا لم يحل لقوله تعالى { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم } وهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب وإن كان يهوديا أو نصرانيا من العجم حل للآية الكريمة وإن كان من نصارى العرب وهم بهراء وتنوخ وتغلب لم يحل لما روي عن عمر رضي الله عنه قال : " ما نصارى العرب بأهل كتاب لا تحل لنا ذبائحهم " وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : " لا تحل ذبائح نصارى بني تغلب " ولأنهم دخلوا في النصرانية بعد [ ص: 84 ] التبديل ، ولا يعلم هل دخلوا في دين من بدل منهم ؟ أو في دين من لم يبدل منهم ؟ فصاروا كالمجوس ، لما أشكل أمرهم في الكتاب لم تحل ذبائحهم . والمستحب أن يكون المذكي رجلا لأنه أقوى على الذبح من المرأة فإن ، كانت امرأة جاز لما روى كعب بن مالك { أن جارية لهم كسرت حجرا فذبحت به شاة فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بأكلها } ويستحب أن يكون بالغا لأنه أقدر على الذبح فإن ذبح صبي حل لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : " من ذبح من ذكر أو أنثى أو صغير أو كبير وذكر اسم الله عليه حل " وتكره ذكاة الأعمى لأنه ربما أخطأ المذبح فإن ذبح حل لأنه لم يفقد فيه إلا النظر وذلك لا يوجب التحريم ويكره ذكاة السكران والمجنون لأنه لا يؤمن أن يخطئ المذبح ويقتل الحيوان فإن ذبح حل ، لأنه لم يفقد في ذبحهما إلا القصد والعلم وذلك لا يوجب التحريم كما لو ذبح شاة وهو يظن أنه يقطع حشيشا .

التالي السابق


( الشرح ) حديث كعب بن مالك رواه البخاري وصححه بلفظه ( قوله ) وهم بهراء هي بفتح الباء الموحدة ، وإسكان الهاء وبالمد وتنوخ بالتاء المثناة فوق ثم النون ، وخاء معجمة وبنو تغلب بتاء مثناة من فوق مفتوحة وكسر اللام وهي قبائل معروفات ، وفي الفصل مسائل : ( إحداها ) الأفضل أن يكون المذكي مسلما ، ويشترط كونه مسلما أو كتابيا ، فتحل ذبيحة الكتابي بالإجماع للآية الكريمة ، وسواء فيه ما يستحله الكتابي وما لا يستحله وحقيقة الكتابي نبسطها في كتاب النكاح حيث ذكرها الأصحاب ، ومختصره ما أشار إليه المصنف أنه إن كان يهوديا أو نصرانيا من العجم ، أو ممن دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل ، حلت ذبيحته ، وإن كان من نصارى العرب وهم تنوخ وبهراء وبنو تغلب أو غيرهم ممن شك في وقت دخولهم في دين أهل الكتاب لم تحل ذبائحهم ، لما ذكره المصنف ، ولا تحل ذبيحة المرتد ولا الوثني ولا المجوسي لما ذكره المصنف ، وهكذا حكم الزنديق وغيره من الكفار الذين ليس لهم كتاب . [ ص: 85 ] وأما ) المتولد بين كتابي وغيره ، فإن كان أبوه غير كتابي والأم كتابية فذبيحته حرام كمناكحته ، وإن كان أبوه كتابيا والأم مجوسية فقولان ( أصحهما ) حرام ( والثاني ) حلال ، وهما كالقولين في مناكحته قال أصحابنا : والمناكحة والذكاة متلازمتان لا يفترقان فمن حلت مناكحته حلت ذبيحته ، ومن لا فلا إلا في مسألة ، وهي الأمة الكتابية ، فإنه تحل ذبيحتها ولا تحل مناكحتها .

وقال أصحابنا : وكما تحرم ذبيحة المرتد والوثني والمجوسي وغيرهم ممن لا كتاب له يحرم صيده بكلب أو سهم ، ويحرم ما شارك فيه مسلما فلو أمر سكينا على حلق ، أو قطع هذا بعض الحلقوم وهذا بعضه ، أو قتلا صيدا بسهم أو كلب ، لم يحل ، أو رميا سهمين أو أرسلا كلبين فإن سبق سهم المسلم أو كلبه فقتل الصيد أو أنهاه إلى حركة المذبوح حل كما لو ذبح مسلم شاة ، ثم قدها المجوسي ، وإن سبق ما أرسله المجوسي أو جرحاه معا أو مرتبا ، ولم يذفف واحد منهما فهلل بهما ، أو لم يعلم أيهما كان ؟ فهو حرام ، لأن الأصل في الحيوان التحريم حتى تتحقق ذكاة مبيحة . وقال صاحب البحر : متى اشتركا في إمساكه وعقره أو في أحدهما ؟ وانفرد واحد بالآخر ، أو انفرد كل واحد بأحدهما فهو حرام ، ولو كان لمسلم كلبان معلم وغيره ، أو معلمان ذهب أحدهما بلا إرسال فقتلا صيدا فهو كاشتراك كلبي المسلم والمجوسي ، ولو هرب الصيد من كلب المسلم فعارضه كلب مجوسي فرده عليه فقتله كلب المسلم حل ، كما لو ذبح المسلم شاة أمسكها مجوسي ، ولو جرحه مسلم أولا ثم قتله مجوسي أو جرحه جرحا غير مذفف ومات بالجرحين فحرام ، ولو كان المسلم قد أثخنه بجراحته فقد ملكه ، ويلزم المجوسي له قيمته ، لأنه أتلفه بجعله ميتة ، ويحل ما اصطاده المسلم بكلب المجوسي كما تحل ذبيحته بسكينته ، ولو أكره [ ص: 86 ] مجوسي مسلما على ذبح شاة ، أو محرم حلالا على ذبح صيد ، فذبح حل بلا خلاف ، وممن صرح به إبراهيم المروذي في مسألة الإكراه على القتل ، والله أعلم .

( المسألة الثانية ) تحل ذبيحة المرأة بلا خلاف ، لحديث كعب بن مالك المذكور في الكتاب ، وذكاة الرجل أفضل من ذكاتها لما ذكره المصنف وسواء كانت المرأة حرة أو أمة طاهرا أو حائضا أو نفساء مسلمة أو كتابية ، فذبيحتها في كل هذه الأحوال حلال ، نص عليه الشافعي واتفقوا عليه .

( الثالثة ) الأفضل أن يكون الذابح بالغا عاقلا ، فإن ذبح صبي مميز حلت ذبيحته على المذهب وهو المنصوص . وبه قطع المصنف والجمهور وحكى إمام الحرمين والغزالي وغيرهما فيه وجهين ( الصحيح ) الحل ( والثاني ) التحريم . وأما الصبي الذي لا يميز والمجنون والسكران ففيهم طريقان ( أحدهما ) القطع بحل ذبائحهم ، وبه قطع الشيخ أبو حامد والمصنف وجمهور العراقيين ( والثاني ) فيه قولان ( أصحهما ) الحل ( والثاني ) التحريم واختاره إمام الحرمين والغزالي وغيرهما لأنه لا قصد له فأشبه من كان في يده سكين وهو نائم فمرت على حلقوم الشاة فذبحها فإنها لا تحل وهذا الطريق مشهور في كتب العراقيين ( والمذهب ) الأول ، كمن قطع حلق شاة وهو يظنه خشبة فإنها تحل بالاتفاق كما ذكره المصنف وحكى إمام الحرمين في السكران طريقا آخر قاطعا بحل ذكاته مع إجراء الخلاف في المجنون تفريعا على أن له حكم الصاحي . قال البغوي : فإن كان للمجنون أدنى تمييز وللسكران قصد حلت ذبيحته قطعا وحيث حللنا ذبح المجنون والسكران فهو مكروه كراهة تنزيه كما ذكره المصنف ، والله أعلم .

( الرابعة ) تحل ذكاة الأعمى بلا خلاف ، ولكن تكره كراهة تنزيه ، وفي حل صيده بالكلب والرمي وجهان مشهوران في كتب الخراسانيين [ ص: 87 ] أصحهما التحريم لأنه لا يرى الصيد فلا يصح إرساله والثاني يحل كذكاته ، وقطع بكل واحد من الوجهين طائفة وممن قطع بالتحريم صاحب الشامل وصححه الرافعي في كتابيه قال إمام الحرمين : عندي أن الوجهين مخصوصان بما إذا أدرك حس الصيد ، وبنى إرساله عليه وقال الرافعي : الأشبه أن الخلاف مخصوص بما إذ أخبره بصير بالصيد فأرسل الكلب أو السهم وكذا صورهما البغوي وأطلق كثيرون الوجهين قال الرافعي : ويجريان في اصطياد الصبي والمجنون والكلب والسهم ، وقيل : يختصان بالكلب ، ويقطع بالحل في السهم كالذبح قلت المذهب حل صيدهما قال صاحب البيان : هو المشهور وقيل : لا يحل لعدم القصد ، وليس بشيء ، والمراد صبي لا يميز ( أما ) المميز فيحل اصطياده بالكلب والسهم قطعا كالذبح ويحتمل على الوجه الشاذ السابق في الذبح . والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث