الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - رحمه الله تعالى - ( والمستحب أن يذبح بسكين حاد لما روى شداد بن أوس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته } فإن ذبح بحجر محدد أو ليطة حل لما ذكرناه من حديث كعب بن مالك في المرأة التي كسرت حجرا فذبحت بها شاة ، ولما روي { أن رافع بن خديج قال : يا رسول الله إنا نرجو أن نلقى العدو غدا وليس معنا مدى أفنذبح بالقصب ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ، ليس السن والظفر ، وسأخبركم عن ذلك أما السن فعظم ، وأما الظفر فمدى الحبشة } فإن ذبح بسن أو ظفر لم يحل لحديث رافع بن خديج ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث شداد بن أوس رواه مسلم .

وحديث رافع رواه البخاري ومسلم ، وينكر على المصنف روى بصيغة التمريض ، مع أنه حديث صحيح ، وقوله صلى الله عليه وسلم " فأحسنوا القتلة والذبحة " هو بكسر القاف والذال أي هيئة القتل والذبح ، وليحد بضم الياء وكسر الحاء يقال أحد السكين وحددها واستحدها ، كله بمعنى ، والمدى بضم الميم وفتح الدال وهو جمع مدية بضم الميم وكسرها وفتحها ساكنة الدال وهي السكين ، سميت مدية لأنها تقطع مدى حياة الحيوان ، وسميت السكين سكينا لأنها تسكن حركة الحيوان وفيها ، لغتان التذكير والتأنيث [ ص: 92 ] قوله ) ليطة بكسر اللام وإسكان المثناة تحت وبطاء مهملة وهي القشرة الرقيقة للقصبة ، وقيل مطلق قشرة القصبة ، والجماعة ليط ( وقوله ) صلى الله عليه وسلم " ما أنهر الدم " أي أساله وقوله " صلى الله عليه وسلم ليس السن والظفر " هما منصوبان بليس ( وقوله ) صلى الله عليه وسلم ( أما السن فعظم ) معناه فلا يجوز به ، لأنه متنجس بالدم ، وقد نهيتم عن تنجيس الروث والعظام في الاستنجاء لكونهما زاد إخوانكم من الجن ( وأما ) الظفر فمدى الحبشة وهم كفار ( وقد نهيتم عن التشبه بالكفار ) والله أعلم .

( أما الأحكام ) ففيها مسائل : ( إحداها ) السنة تحديد السكين لما ذكره المصنف ، ويستحب إمرارها بقوة وتحامل ذهابا وعودا ليكون أوحى وأسهل ، فلو ذبح بسكين كالة كره وحلت الذبيحة ونقل ابن المنذر أنه يكره أن يحدد السكين ، والشاة تنظر السكين وأن يذبح الشاة والأخرى تنظر وكذا قاله أصحابنا ، قالوا : ويستحب أن تساق إلى المذبح برفق وتضجع برفق ويعرض عليها الماء قبل الذبح .

( المسألة الثانية ) قال الشافعي والأصحاب : لا تحصل الذكاة بالظفر والسن ولا بسائر العظام ، وتحصل بما سوى ذلك من جميع المحددات ، سواء كانت من الحديد كالسيف والسكين والسهم والرمح ، أو من الرصاص أو النحاس أو الذهب أو الفضة أو الخشب المحدد أو القصب أو الزجاج أو الحجر أو غيرها ولا خلاف في كل هذا عندنا ، ويحل الصيد المقتول بجميع هذه المذكورات سوى الظفر والسن وسائر العظام ( وأما ) الظفر والسن وسائر العظام فلا تحل بها الذكاة ولا الصيد بلا خلاف ، سواء كان الظفر والسن من آدمي أو غيره وسواء المتصل والمنفصل ، وسواء كان من حيوان مأكول أو غيره ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور ، وقال [ ص: 93 ] صاحب الحاوي : قال الشافعي : أكره بالعظم الذكاة ولا يبين لي أن أحرم لأنه لا يقع عليه اسم سن ولا ظفر ، قال : اعتبر الشافعي في التحريم الاسم فأجازه بالعظم لخروجه عن الاسم وكرره لأنه في معناه ، قال : وفيه عندي نظر ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم علل المنع من السن بأنه عظم ، هذا نقله وهو شاذ ضعيف وحكى الرافعي وجها شاذا باطلا أن عظم المأكول تحصل به الذكاة . وهذا غلط ، ولو ركب عظم على سهم وجعل نصلا له فقتل به صيدا لم يحل ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور ، وحكى الرافعي قولا أنه يحل وهو شاذ مردود .

( الثالثة ) لو أراد الذكاة بمثقل فأثر بثقله دقا أو خنقا لم يحل وكذا لو كان مثقلا فقتله بثقله لم يحل بل لا بد من الجرح ، ولو ذبحه بحديدة لا تقطع وتحامل عليها حتى أزهقه لم يحل لأن القطع هنا بقوة الذابح واعتماده الشديد لا بالآلة والله أعلم .

( فرع ) اعلم أنه ينكر على المصنف قوله في التنبيه : يجوز الذبح بكل ما له حد يقطع إلا السن والظفر . وهذا اللفظ يقتضي جواز الذبح بالعظام المحددة سوى السن ، وهذا لا يجوز بلا خلاف كما سبق ، وكان حقه أن يقول إلا العظم والظفر ، أو إلا الظفر والسن وسائر العظام ، وعبارته في المهذب أجود ، ومع هذا فأهمل فيه بيان منع الذبح بالعظم ( فإن قيل ) لعله اقتصر على موافقة الحديث ( قلنا ) : ( أما ) في المهذب فله في هذا بعض العذر ( وأما ) في التنبيه فلا عذر له ولا جواب عنه ، لأنه لم يذكر الحديث حتى يستنبط منه ( وأما ) الحديث فليس فيه إيهام بأنه منصوص فيه على العلة في السن ، وهو كونه عظما ففهمنا منه أن كل ما انطلق عليه اسم العظم لا تحل الذكاة به .

( فرع ) لو ذبح بسكين مغصوب أو مسروق أو كال وقطع الحلقوم والمريء كره ذلك وحلت الذبيحة بلا خلاف عندنا ، قال العبدري : وبه [ ص: 94 ] قال العلماء كافة إلا داود فقال : لا تحل ، وهو رواية عن أحمد لقوله صلى الله عليه وسلم { من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد } رواه مسلم بهذا اللفظ من رواية عائشة رضي الله عنها ، فيصير كأنه لم يوجد ذبح . واحتج أصحابنا بقوله تعالى : { إلا ما ذكيتم } وبقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المذكور قريبا : ( ما أنهر الدم ) والجواب عن حديث : ( من عمل عملا ) أنه يقتضي تحريم فعله ولا يلزم منه إبطال الذكاة ، ولهذا لو ذبح بسكين حلال في أرض مغصوبة أو توضأ بماء في أرض مغصوبة فإنه تحصل الذكاة والوضوء بالإجماع .

( فرع ) في مذاهب العلماء بما تحصل به الذكاة ذكرنا أن مذهبنا حصوله بكل محدد إلا الظفر والسن وسائر العظام ، وبه قال النخعي والحسن بن صالح والليث وفقهاء الحديث وأحمد وإسحاق وأبو داود وأبو ثور وداود والجماهير وهو رواية عن مالك . وقال أبو حنيفة وصاحباه : لا يجوز الذبح بالظفر والعظم المتصلين ، ويجوز بالمنفصلين ، وهو رواية عن مالك ، وحكى ابن المنذر عن مالك أنه قال : تحصل الذكاة بكل شيء حتى بالسن والظفر ، ونحوه عن ابن جريج وحكى العبدري عن ابن القصار المالكي أن الظاهر من مذهب مالك إباحة الذكاة بالعظم ومنعه بالسن ، قال ابن القصار : وعندي تحصل الذكاة بهما ، وعن ابن جريج قال : تذكي بعظم الحمار ، ولا تذكي بعظم القرد ، لأن الحمار تصلي عليه وتسقيه في خفك وهذا مذهب فاسد واستدلال باطل ، ودليلنا حديث رافع والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث