الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في التعزية

باب في التعزية

3123 حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني حدثنا المفضل عن ربيعة بن سيف المعافري عن أبي عبد الرحمن الحبلى عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قبرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني ميتا فلما فرغنا انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وانصرفنا معه فلما حاذى بابه وقف فإذا نحن بامرأة مقبلة قال أظنه عرفها فلما ذهبت إذا هي فاطمة عليها السلام فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخرجك يا فاطمة من بيتك فقالت أتيت يا رسول الله أهل هذا البيت فرحمت إليهم ميتهم أو عزيتهم به فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلعلك بلغت معهم الكدى قالت معاذ الله وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر قال لو بلغت معهم الكدى فذكر تشديدا في ذلك فسألت ربيعة عن الكدى فقال القبور فيما أحسب

التالي السابق


أي هذا باب في بيان مشروعيتها .

( قبرنا ) : يعني دفنا ( فلما فرغنا ) : من دفن الميت ( فلما حاذى ) : أي [ ص: 301 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وقف ) : رسول الله صلى الله عليه وسلم ( قال ) : أي عبد الله بن عمرو بن العاص ( أظنه ) : أي رسول الله صلى الله عليه وسلم ( عرفها ) : أي المرأة المقبلة ( فلما ذهبت ) أي المرأة المقبلة ( إذا هي ) : أي المرأة . ولفظ النسائي قال : بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ بصر بامرأة لا تظن أنه عرفها فلما توسط الطريق وقف حتى انتهت إليه فإذا فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فقال لها ) : أي لفاطمة ( فرحمت إليهم ) : من باب التفعيل . وفي رواية النسائي " فترحمت إليهم " أي ترحمت ميتهم وقلت فيه : رحم الله ميتكم مفضيا ذلك إليهم ليفرحوا به . قاله السندي ( أو عزيتهم به ) : هكذا في جميع النسخ ، وهذا الشك من أحد الرواة .

وفي رواية النسائي بحرف العاطفة " وعزيتهم بميتهم " انتهى . وعزيتهم من التعزية أي أمرتهم بالصبر عليه . بنحو أعظم الله أجركم . قال في لسان العرب العزاء الصبر عن كل ما فقدت انتهى . قال في النيل : والتعزية التصبر ، وعزاه صبره ، فكل ما يجلب للمصاب صبرا يقال له تعزية بأي لفظ كان ويحصل به للمعزي الأجر وأحسن ما يعزى به ما أخرجه البخاري ومسلم إن لله ما أخذ ولله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فمرها فلتصبر الحديث ( فقال لها ) : أي لفاطمة ( بلغت معهم الكدى ) : هو بضم الكاف وتخفيف الدال المقصورة وهي المقابر . قاله الحافظ .

قال ابن الأثير : أراد المقابر ، وذلك لأنها كانت مقابرهم في مواضع صلبة وهي جمع كدية ، والكدية قطعة غليظة صلبة لا يعمل فيها الفأس . ويروى بالراء يعني الكرى وهي القبور أيضا جمع كرية أو كروة من كريت الأرض وكروتها إذا حفرتها كالحفرة من حفرت ( قالت ) : فاطمة ( معاذ الله وقد ) : الواو للحال زاد النسائي معاذ الله أن أكون بلغتها ( فيها ) : [ ص: 302 ] أي في الكدى . ( فذكر تشديدا في ذلك ) : هذا من أدب أبي داود حيث لم يصرح باللفظ الوارد في رواية وكنى عنه ، فرضي الله تعالى عنه وعمن اقتدى به ، والتصريح وقع في رواية النسائي وتكلمنا على تأويله في زهر الربى وفي المسالك الحنفاء . قاله السيوطي في مرقاة الصعود . والحديث فيه دلالة على مشروعية التعزية وعلى جواز خروج النساء لها . وتمام الحديث كما في النسائي فقال لها لو بلغتها معهم ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك انتهى قال السندي : وظاهر السوق [ السياق ] : يفيد أن المراد ما رأيت أبدا كما لم يرها فلان وأن هذه الغاية من قبيل حتى يلج الجمل في سم الخياط . ومعلوم أن المعصية غير الشرك لا تؤدي إلى ذلك ، فإما أن يحمل على التغليظ في حقها وإما أن يحمل على أنه علم في حقها أنها لو ارتكبت تلك المعصية لأفضت بها إلى معصية فتكون مؤدية إلى ما ذكر .

والسيوطي رحمه الله مشمر به القول بنجاة عبد المطلب فقال لذلك وهذه عبارته : أقول لا دلالة في هذا الحديث على ما توهمه المتوهمون لأنه لو مشت امرأة مع جنازة إلى المقابر لم يكن ذلك كفرا موجبا للخلود في النار كما هو واضح ، وغاية ما في ذلك أن يكون من جملة الكبائر التي يعذب صاحبها ثم يكون آخر أمره إلى الجنة . وأهل السنة يؤولون ما ورد من الحديث في أهل الكبائر من أنهم لا يدخلون الجنة بأن المراد لا يدخلونها مع السابقين الذين يدخلونها أولا بغير عذاب ، فغاية ما يدل عليه الحديث المذكور على أنها لو بلغت معهم الكدى لم تر الجنة مع السابقين بل يتقدم ذلك عذاب أو شدة أو ما شاء الله من أنواع المشاق ثم يئول أمرها إلى دخول الجنة قطعا ويكون عبد المطلب كذلك لا يرى الجنة مع السابقين بل يتقدم ذلك الامتحان وحده أو مع مشاق أخر ، ويكون معنى الحديث لم تر الجنة حتى يأتي الوقت الذي يراها فيه جد أبيك فترينها حينئذ ، فتكون رؤيتك لها متأخرة عن رؤية غيرك من السابقين لها . هذا مدلول الحديث لا دلالة له على قواعد أهل السنة غير ذلك .

والذي سمعته من شيخنا شيخ الإسلام شرف الدين المناوي وقد سئل عن عبد المطلب فقال هو من أهل الفترة الذين لم تبلغ لهم الدعوة وحكمهم في المذهب معروف انتهى كلام السيوطي .

[ ص: 303 ] قلت : القول في هذا الحديث ما قاله العلامة السندي ، وأما القول بنجاة عبد المطلب كما هو مذهب السيوطي فكلام ضعيف خلاف لجمهور العلماء المحققين إلا من شذ من المتساهلين ، ولا عبرة بكلامه في هذا الباب والله أعلم .

قال المنذري : والحديث أخرجه النسائي وربيعة هذا الذي هو في إسناد هذا الحديث هو ربيعة بن سيف المعافري من تابعي أهل مصر وفيه مقال .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث