الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون

ولما كان الإنسان محل النقصان، فلا ينفك عن ذنب فلا ينفعه إلا فناء الكرم، أشار إلى ذلك مرغبا مستعطفا لهم لئلا ييأسوا فيهلكوا بقوله جوابا للأمر: يغفر لكم أي كرما منه وإحسانا ولطفا.

ولما كان من الذنوب ما لا يتحتم غفرانه وهو ما بعد الإسلام [ ص: 428 ] [ قال-] : من ذنوبكم أي ما تقدم الإيمان من الشرك والعصيان وما تأخر عن الإيمان من الصغائر التي تفضل الله بالوعد بتكفيرها باجتناب الكبائر - هذا مما أوجبه سبحانه على نفسه المقدس بالوعد الذي لا يبدل، وأما غيره مما عدا الشرك فإلى مشيئته سبحانه.

ولما كان الإنسان، لما يغلب عليه من النسيان، والاشتغال بالآمال، يعرض عن الموت إعراض الشاك فيه بل المكذب [ به -] ذكرهم ترهيبا لهم لطفا بهم ليستحضروا أنهم في القبضة فينزعوا مما يغضبه سبحانه، فقال مشيرا إلى أن طول العمر في المعصية - وإن كان مع رغد العيش - عدم، مهددا بأنه قادر على الإهلاك في كل حين: ويؤخركم أي تأخيرا ينفعكم، واعلم أن الأمور كلها قد قدرت وفرغ من ضبطها لإحاطة العلم والقدرة فلا يزاد فيها ولا ينقص، ليعلم أن الإرسال إنما هو مظهر لما في الكيان ولا يظن أنه قالب للأعيان بتغيير ما سبق به القضاء من الطاعة أو العصيان فقال: إلى أجل مسمى أي قد سماه الله [ وعلمه -] قبل إيجادكم فلا يزاد فيه ولا ينقص منه، فيكون موتكم على العادة متفرقا وإلا أخذكم جميعا بعذاب الاستئصال، فهذا من علم ما لا يكون لو كان كيف [ كان-] [ ص: 429 ] يكون، [ و-] ذلك أنه علم أنهم إن أطاعوا نوحا عليه السلام كان موتهم على العادة وإلا هلكوا هلاك نفسه واحدة، وعلم أنهم لا يطيعونه، وأن موتهم إنما يكون بعذاب الاستئصال.

ولما كان الإنسان مجبولا على الأطماع الفارغة، فكان ربما قال للتعنت أو غيره: لم لا يخلدنا؟ قال فطما عن ذلك مؤكدا لاقتضاء المقام له: إن أجل الله [ أي -] الذي له الكمال كله فلا راد لأمره إذا جاء لا يؤخر وأما قبل مجيئه فربما يقع الدعاء والطاعات والبر في البركة فيه يمنع الشواغل وإطابة الحياة، فبادروا مجيء الأجل بالإيمان لأنه إذا جاء لم يمكنكم التدارك، ولا ينفعكم بعد العيان الإيمان.

ولما كان من يعلم هذا يقينا، ويعلم أنه [ إذا -] كشف له عند الغرغرة أحب أن يؤخر ليتوب حين لا تأخير، أحسن العمل خوفا من فوات وقته وتحتم مقته، نبه على ذلك بقوله: لو كنتم تعلمون أي لو كان العلم أو تجدده وقتا ما في غرائزكم لعلمتم تنبيه رسولكم صلى الله عليه وسلم أن الله يفعل ما يشاء، وأن الأجل [ آت -] لا محالة فعملتم للنجاة، ولكنكم تعملون في الانهماك في الشهوات عمل الشاك في الموت.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث