الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيع ما سوى الأعيان المنتفع بها وما يقتنيه الناس من العبيد والأراضي

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - رحمه الله تعالى - ( ويجوز بيع ما سوى ذلك من الأعيان المنتفع بها من المأكول والمشروب والملبوس والمشموم وما ينتفع به من الحيوان بالركوب والأكل والدر والنسل والصيد والصوف ، وما يقتنيه الناس من العبيد والجواري والأراضي والعقار . لاتفاق أهل الأمصار في جميع الأعصار على بيعها من غير إنكار ، ولا فرق فيها بين ما كان في الحرم من الدور وغيره ، لما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه " أمر نافع بن عبد الحارث أن يشتري دارا بمكة للسجن من صفوان بن أمية فاشتراها بأربعة آلاف درهم " ولأنه أرض حية لم يرد عليها صدقة مؤبدة فجاز بيعها كغير الحرم ) .

التالي السابق


( الشرح ) هذا الأثر عن عمر مشهور ، رواه البيهقي وغيره ، ونافع هذا صحابي ، وهكذا قاله الجمهور ، وأنكر الواقدي صحبته والصواب المشهور صحبته ، وهو خزاعي أسلم يوم فتح مكة وأقام بمكة وكان من فضلاء الصحابة ، واستعمله عمر بن الخطاب على مكة والطائف ، وفيهما سادات قريش وثقيف ، والله تعالى أعلم . وصفوان بن أمية صحابي مشهور ، وهو أبو وهب ، وقيل : أبو أمية صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن خزامة بن جمح القرشي الجمحي [ ص: 297 ] المكي أسلم بعد شهوده حنينا كافرا ، وكان من المؤلفة ، وشهد اليرموك توفي بمكة سنة اثنتين وأربعين ، وقيل : توفي في خلافة عمر وقيل : عام الجمل سنة ست وثلاثين ( وقوله ) لأنه أرض حية ، هكذا هو في النسخ . والضمير عائد إلى البيع ( وقوله ) أرض حية احتراز من الموات ( وقوله ) لم يرد عليها صدقة مؤبدة احتراز من العين الموقوفة .

( أما الأحكام ) ففيها مسألتان : ( إحداهما ) أن الأعيان الطاهرة المنتفع بها التي ليست حرا ولا موقوفا ولا أم ولد ولا مكاتبة ولا مرهونا ولا غائبا ولا مستأجرة يجوز بيعها بالإجماع ، لما ذكره المصنف سواء المأكول والمشروب والملبوس والمشموم والحيوان المنتفع به ، بركوبه أو صوته أو صوفه أو دره أو نسله كالعندليب والببغاء أو بحراسته كالقرد ، أو بركوبه كالفيل أو بامتصاصه الدم وهو العلق ، وفي معناه دود القز وغير ذلك ، مما سبق بيانه ، فكل هذا يصح بيعه .

( والثانية ) يجوز بيع دور مكة وغيرها من أرض الحرم ويجوز إجارتها وهي مملوكة لأصحابها يتوارثونها ويصح تصرفهم فيها بالبيع وغيره من التصرفات المفتقرة إلى الملك ، والله أعلم .



( فرع ) في مذاهب العلماء في بيع دور مكة وغيرها من أرض الحرم وإجارتها ورهنها ، مذهبنا جوازه ، وبه قال عمر بن الخطاب وجماعات من الصحابة ومن بعدهم ، وهو مذهب أبي يوسف وقال الأوزاعي والثوري ومالك وأبو حنيفة : لا يجوز شيء من ذلك ، والخلاف في المسألة مبني على أن مكة فتحت صلحا أم عنوة ؟ فمذهبنا أنها فتحت صلحا ، فتبقى على ملك أصحابها فتورث وتباع وتكرى وترهن ، ومذهبهم أنها فتحت عنوة فلا يجوز شيء من ذلك . [ ص: 298 ] واحتج هؤلاء بقوله تعالى : { والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد } وقوله : والمراد بالمسجد جميع الحرم لقوله سبحانه وتعالى { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام } أي من بيت خديجة ، وبقوله تعالى : { إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها } قالوا : والمحرم لا يجوز بيعه ، وبحديث إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { مكة مباح لا تباع رباعها ولا تؤجر بيوتها } رواه البيهقي . وبحديث عائشة رضي الله عنها قالت { قلت يا رسول الله ألا نبني لك بيتا أو بناء يظلك من الشمس ؟ قال : لا إنما هو مباح لمن سبق إليه } رواه أبو داود . وعن أبي حنيفة عن عبد الله بن أبي زياد عن أبي نجيح عن عبد الله بن عمر قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { مكة حرام ، وحرام بيع رباعها وحرام أجر بيوتها } وعن عثمان بن أبي سليمان عن علقمة بن نضلة الكناني قال : { كانت بيوت مكة تدعى السوائب لم تبع رباعها في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبي بكر ولا عمر ، من احتاج سكن ، ومن استغنى أسكن } رواه البيهقي وبالحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { منى مباح لمن سبق } وهو حديث صحيح سبق بيانه في كتاب الجنائز في باب الدفن ، قالوا : ولأنها بقعة من الحرم فلا يجوز بيعها وإجارتها كنفس المسجد الحرام .

واحتج الشافعي والأصحاب لمذهبنا بقوله تعالى : { للفقراء المهاجرين الذين [ ص: 299 ] أخرجوا من ديارهم } والإضافة تقتضي الملك ( فإن قيل ) قد تكون الإضافة لليد والسكنى لقوله تعالى : { وقرن في بيوتكن } ؟ ( فالجواب ) أن حقيقة الإضافة تقتضي الملك ، ولهذا لو قال : هذه الدار لزيد حكم بملكها لزيد ، ولو قال : أردت به السكنى واليد لم يقبل . واحتجوا أيضا بحديث أسامة بن زيد أنه قال { : أين تنزل من دارك في مكة ؟ فقال : هل ترك لنا عقيل من دار ؟ وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب ، ولم يرثه جعفر ولا علي لأنهما كانا مسلمين ، وكان عقيل وطالب كافرين } رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما قال أصحابنا : فهذا يدل على إرث دورها والتصرف فيها . وعن أبي هريرة رضي الله عنه في قصة فتح مكة قال : ( { فجاء أبو سفيان فقال : يا رسول الله أبيدت خضراء قريش ، لا قريش بعد اليوم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن ألقى سلاحه فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن } رواه مسلم وبالأثر المشهور في سنن البيهقي وغيره أن نافع بن عبد الحارث اشترى من صفوان بن أمية دار السجن لعمر بن الخطاب رضي الله عنه بأربعمائة ، وفي رواية بأربعة آلاف ) وروى الزبير بن بكار وغيره أن حكيم بن حزام باع دار الندوة بمكة من معاوية بن أبي سفيان بمائة ألف ، فقال له عبد الله بن الزبير : يا أبا خالد بعت مأثرة قريش وكريمتها ؟ فقال هيهات ذهبت المكارم ، فلا مكرمة اليوم إلا الإسلام ، فقال : اشهدوا أنها في سبيل الله تعالى يعني الدراهم ) ومن القياس أنها أرض حية ليست موقوفة فجاز بيعها كغيرها .

وروى البيهقي بإسناده عن إبراهيم بن محمد الكوفي قال : " رأيت الشافعي بمكة يفتي الناس ، ورأيت إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل [ ص: 300 ] حاضرين فقال أحمد لإسحاق : تعال حتى أريك رجلا لم تر عيناك مثله ، فقال إسحاق : لم تر عيناي مثله ؟ فقال نعم : فجاء به فوقفه على الشافعي فذكر القصة إلى أن قال ثم تقدم إسحاق إلى مجلس الشافعي فسأله عن كراء بيوت مكة ، فقال الشافعي : هو عندنا جائز ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { وهل ترك لنا عقيل من دار ؟ } فقال إسحاق : حدثنا يزيد بن هارون عن هشام عن الحسن أنه لم يكن يرى ذلك وعطاء وطاووس لم يكونا يريان ذلك . فقال الشافعي لبعض من عرفه : من هذا ؟ قال : هذا إسحاق بن راهويه الحنظلي الخراساني ، فقال له الشافعي : أنت الذي يزعم أهل خراسان أنك فقيههم ؟ قال إسحاق : هكذا يزعمون قال الشافعي : ما أحوجني أن يكون غيرك في موضعك فكنت آمر بفراك أذنيه ، أنا أقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت تقول قال طاوس والحسن وإبراهيم ، هؤلاء لا يرون ذلك ؟ وهل لأحد مع النبي صلى الله عليه وسلم حجة ؟ وذكر كلاما طويلا . ثم قال الشافعي : قال الله تعالى : { للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم } أفتنسب الديار إلى مالكين أو غير مالكين ؟ فقال إسحاق : إلى مالكين قال الشافعي : قول الله أصدق الأقاويل ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من دخل دار أبي سفيان فهو آمن } ، وقد اشترى عمر بن الخطاب رضي الله عنه دار الحجامين وذكر الشافعي له جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له إسحاق : { سواء العاكف فيه والباد } ، فقال الشافعي : قال الله تعالى { والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد } والمراد المسجد خاصة ، وهو الذي حول الكعبة ، ولو كان كما تزعم لكان لا يجوز لأحد أن ينشد في دور مكة وفجاجها ضالة ، ولا ينحر فيها البدن ، ولا يلقي [ ص: 301 ] فيها الأرواث ، ولكن هذا في المسجد خاصة فسكت إسحاق ولم يتكلم ، فسكت عنه الشافعي .

( وأما ) الجواب عن أدلتهم فالجواب عن قوله تعالى : " { سواء العاكف فيه والباد } سبق الآن في كلام الشافعي ( وأما ) قوله تعالى { هذه البلدة الذي حرمها } " فمعناه حرم صيدها ، وشجرها ، وخلاها ، والقتال فيها ، كما بينه النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة ، ولم يذكر شيء منها مع كثرتها في النهي عن بيع دورها ( وأما ) حديث إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن أبيه فضعيف باتفاق المحدثين ، واتفقوا على تضعيف إسماعيل وأبيه إبراهيم ( وأما ) حديث عائشة رضي الله عنها فإن صح كان محمولا على الموات من الحرم ، وهو ظاهر الحديث ( وأما ) حديث أبي حنيفة فضعيف من وجهين ( أحدهما ) ضعف إسناده فإن ابن أبي زياد هذا ضعيف ( والثاني ) أن الصواب فيه عند الحفاظ أنه موقوف على عبد الله بن عمرو ، وقالوا : رفعه وهم ، هكذا قاله الدارقطني وأبو عبد الرحمن السلمي والبيهقي ( وأما ) حديث عثمان بن أبي سليمان فجوابه من وجهين : ( أحدهما ) جواب البيهقي أنه منقطع ( والثاني ) جواب البيهقي أيضا والأصحاب أنه إخبار عن عادتهم في إسكانهم ما استغنوا عنه من بيوتهم بالإعارة تبرعا وجودا ، وقد أخبر من كان أعلم بشأن مكة منه بأنه جرى الإرث والبيع فيها ( وأما ) حديث ( منى مباح لمن سبق ) فمحمول على مواتها ومواضع نزول الحجيج منها ( وأما ) الجواب عن قياسهم على نفس المسجد فمردود لأن المساجد محرمة محررة ، لا تلحق بها المنازل المسكونة في تحريم بيعها ، ولهذا في سائر البلاد يجوز بيع الدور دون المساجد والله سبحانه أعلم .

[ ص: 302 ] فرع ) قال الروياني في البحر في باب بيع الكلاب : لا يكره بيع شيء من الملك الطلق إلا أرض مكة ، فإنه يكره بيعها وإجارتها للخلاف وهذا الذي ادعاه من الكراهة غريب في كتب أصحابنا ، والأحسن أن يقال : هو خلاف الأولى ، لأن المكروه ما ثبت فيه نهي مقصود ، ولم يثبت في هذا نهي .

( فرع ) قال الروياني والأصحاب : هذا الذي ذكرناه من اختلاف العلماء في بيع دور مكة وغيرها من الحرم هو في بيع نفس الأرض ( فأما ) البناء فهو مملوك يجوز بيعه بلا خلاف .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث