الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى "فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي "

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 88 ] القول في تأويل قوله تعالى ( فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي )

قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : فإن أحصرتم أيها المؤمنون ، فما استيسر من الهدي ، فإذا أمنتم فزال عنكم خوفكم من عدوكم أو هلاككم من مرضكم فتمتعتم بعمرتكم إلى حجكم ، فعليكم ما استيسر من الهدي .

ثم اختلف أهل التأويل في صفة" التمتع" الذي عنى الله بهذه الآية .

فقال بعضهم : هو أن يحصره خوف العدو ، وهو محرم بالحج ، أو مرض ، أو عائق من العلل ، حتى يفوته الحج ، فيقدم مكة ، فيخرج من إحرامه بعمل عمرة ، ثم يحل فيستمتع بإحلاله من إحرامه ذلك إلى السنة المستقبلة ، ثم يحج ويهدي ، فيكون متمتعا بالإحلال من لدن يحل من إحرامه الأول إلى إحرامه الثاني من القابل .

ذكر من قال ذلك :

3419 - حدثنا عمران بن موسى البصري ، قال : حدثنا عبد الوارث بن سعيد ، قال : حدثنا إسحاق بن سويد ، قال : سمعت ابن الزبير وهو يخطب ، وهو يقول : يا أيها الناس ، والله ما التمتع بالعمرة إلى الحج كما تصنعون ، إنما التمتع أن يهل الرجل بالحج فيحصره عدو أو مرض أو كسر أو يحبسه أمر حتى تذهب أيام الحج فيقدم فيجعلها عمرة ، فيتمتع بحله إلى العام القابل ثم يحج ويهدي هديا ، فهذا التمتع بالعمرة إلى الحج .

3420 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن ابن أبي نجيح ، عن عطاء قال : كان ابن الزبير يقول : المتعة لمن أحصر ، قال : وقال ابن عباس : هي لمن أحصر ومن خليت سبيله . [ ص: 89 ]

3421 - حدثني ابن البرقي ، قال : حدثنا ابن أبي مريم ، قال : أخبرنا نافع بن يزيد ، قال : أخبرني ابن جريج قال : قال عطاء : كان ابن الزبير يقول : إنما المتعة للمحصر وليست لمن خلي سبيله .

وقال آخرون : بل معنى ذلك : فإن أحصرتم في حجكم فما استيسر من الهدي ، فإذا أمنتم وقد حللتم من إحرامكم ، ولم تقضوا عمرة تخرجون بها من إحرامكم بحجكم ولكن حللتم حين أحصرتم بالهدي وأخرتم العمرة إلى السنة القابلة فاعتمرتم في أشهر الحج ، ثم حللتم ، فاستمتعتم بإحلالكم إلى حجكم فعليكم ما استيسر من الهدي .

ذكر من قال ذلك :

3422 - حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري ، قال : حدثنا عبد الله بن نمير ، عن الأعمش ، عن إبراهيم عن علقمة : " فإن أحصرتم " ، قال : إذا أهل الرجل بالحج فأحصر ، قال : يبعث بما استيسر من الهدي ، شاة . قال : فإن عجل قبل أن يبلغ الهدي محله وحلق رأسه ، أو مس طيبا ، أو تداوى ، كان عليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك " فإذا أمنتم " ، فإذا برئ فمضى من وجهه ذلك حتى أتى البيت ، حل من حجه بعمرة وكان عليه الحج من قابل . وإن هو رجع ولم يتم إلى البيت من وجهه ذلك ، فإن عليه حجة وعمرة ودما لتأخيره العمرة . فإن هو رجع متمتعا في أشهر الحج ، فإن عليه ما استيسر من الهدي ، شاة . فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع . قال إبراهيم : فذكرت ذلك لسعيد بن جبير ، فقال : كذلك قال ابن عباس في ذلك كله .

3423 - حدثنا بشر ، قال : حدثنا يزيد ، قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي " ، قال : هذا رجل أصابه خوف [ ص: 90 ] أو مرض أو حابس حبسه حتى يبعث بهديه ، فإذا بلغت محلها صار حلالا فإن أمن أو برئ ووصل إلى البيت فهي له عمرة ، وأحل وعليه الحج عاما قابلا . وإن هو لم يصل إلى البيت حتى يرجع إلى أهله ، فعليه عمرة وحجة وهدي . قال قتادة : [ وهي ] والمتعة التي لا يتعاجم الناس فيها أن أصلها كان هكذا .

3424 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن إبراهيم في قوله : " فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج " إلى : " تلك عشرة كاملة " ، قال : هذا المحصر إذا أمن ، فعليه المتعة في الحج وهدي المتمتع ، فإن لم يجد فالصيام ، فإن عجل العمرة قبل أشهر الحج ، فعليه فيها هدي .

3425 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا بشر بن السري ، عن شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن سلمة ، عن علي : " فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج " فإن أخر العمرة حتى يجمعها مع الحج ، فعليه الهدي .

وقال آخرون : عنى بذلك المحصر وغير المحصر .

ذكر من قال ذلك :

3426 - حدثني ابن البرقي ، قال : حدثنا ابن أبي مريم ، قال : أخبرنا نافع بن يزيد ، قال : أخبرني ابن جريج قال : أخبرني عطاء أن ابن عباس كان يقول : [ ص: 91 ] المتعة لمن أحصر ، ولمن خلي سبيله . وكان ابن عباس يقول : أصابت هذه الآية المحصر ومن خليت سبيله .

وقال آخرون : معنى ذلك : فمن فسخ حجه بعمرة ، فجعله عمرة ، واستمتع بعمرته إلى حجه ، فعليه ما استيسر من الهدي .

ذكر من قال ذلك :

3427 - حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي قوله : " فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي " ، أما المتعة فالرجل يحرم بحجة ، ثم يهدمها بعمرة . وقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين حاجا ، حتى إذا أتوا مكة قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أحب منكم أن يحل فليحل ، قالوا : فما لك يا رسول الله ! قال : أنا معي هدي .

وقال آخرون : بل ذلك : الرجل يقدم معتمرا من أفق من الآفاق في أشهر الحج ، فإذا قضى عمرته أقام حلالا بمكة حتى ينشئ منها الحج ، فيحج من عامه ذلك ، فيكون مستمتعا بإحلاله إلى إحرامه بالحج .

ذكر من قال ذلك :

3428 - حدثني محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله عز وجل : " فمن تمتع بالعمرة إلى الحج " ، من يوم الفطر إلى يوم عرفة ، فعليه ما استيسر من الهدي .

3429 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .

3430 - حدثنا ابن بشار ، قال : حدثنا عبد الوهاب ، قال : حدثنا أيوب وحدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية ، قال : أخبرنا أيوب عن نافع ، قال : قدم ابن عمر مرة في شوال ، فأقمنا حتى حججنا ، فقال : إنكم قد [ ص: 92 ] استمتعتم إلى حجكم بعمرة ، فمن وجد منكم أن يهدي فليهد ، ومن لا فليصم ثلاثة أيام ، وسبعة إذا رجع إلى أهله .

3431 - حدثنا ابن بشار ، وعبد الحميد بن بيان قال ابن بشار : حدثنا ، وقال عبد الحميد : أخبرنا يزيد ، قال : أخبرنا يحيى بن سعيد ، عن نافع ، أنه أخبره أنه خرج مع ابن عمر معتمرين في شوال ، فأدركهما الحج وهما بمكة ، فقال ابن عمر : من اعتمر معنا في شوال ثم حج ، فهو متمتع عليه ما استيسر من الهدي ، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع .

3432 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا هارون ، عن عنبسة ، عن ليث ، عن عطاء في رجل اعتمر في غير أشهر الحج ، فساق هديا تطوعا ، فقدم مكة في أشهر الحج ، قال : إن لم يكن يريد الحج ، فلينحر هديه ، ثم ليرجع إن شاء ، فإن هو نحر الهدي وحل ، ثم بدا له أن يقيم حتى يحج ، فلينحر هديا آخر لتمتعه ، فإن لم يجد فليصم .

3433 - حدثنا ابن حميد ، حدثنا هارون ، عن عنبسة ، عن ابن أبي ليلى ، مثل ذلك .

3434 - حدثنا عبد الحميد بن بيان ، قال : حدثنا يزيد ، قال : أخبرنا يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب بأنه كان يقول : من اعتمر في شوال أو في ذي القعدة ثم أقام بمكة حتى يحج ، فهو متمتع ، عليه ما على المتمتع .

3435 - حدثنا يعقوب ، قال : حدثنا هشيم ، عن حجاج ، عن عطاء مثل ذلك .

3436 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا عبد الله ، قال : حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قوله : " فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي " يقول : من أحرم بالعمرة في أشهر الحج ، فما استيسر من الهدي .

3437 - حدثنا ابن البرقي ، قال : حدثنا ابن أبي مريم ، قال : أخبرنا نافع ، قال : [ ص: 93 ] أخبرني ابن جريج ، قال : كان عطاء يقول : المتعة لخلق الله أجمعين ، الرجل ، والمرأة ، والحر ، والعبد ، هي لكل إنسان اعتمر في أشهر الحج ثم أقام ولم يبرح حتى يحج ، ساق هديا مقلدا أو لم يسق إنما سميت " المتعة" ، من أجل أنه اعتمر في شهور الحج ، فتمتع بعمرة إلى الحج ، ولم تسم "المتعة" من أجل أنه يحل بتمتع النساء .

قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال : عنى بها : فإن أحصرتم أيها المؤمنون في حجكم فما استيسر من الهدي ، فإذا أمنتم فمن تمتع ممن حل من إحرامه بالحج - بسبب الإحصار ، بعمرة اعتمرها لفوته الحج في السنة القابلة في أشهر الحج - إلى قضاء الحجة التي فاتته حين أحصر عنها ثم دخل في عمرته فاستمتع بإحلاله من عمرته إلى أن يحج فعليه ما استيسر من الهدي ، وإن كان قد يكون متمتعا من أنشأ عمرة في أشهر الحج وقضاها ثم حل من عمرته وأقام حلالا حتى يحج من عامه غير أن الذي هو أولى بالذي ذكره الله في قوله : " فمن تمتع بالعمرة إلى الحج" هو ما وصفنا ، من أجل أن الله جل وعز أخبر عما على المحصر عن الحج والعمرة من الأحكام في إحصاره . فكان مما أخبر تعالى ذكره : أنه عليه - إذا أمن من إحصاره فتمتع بالعمرة إلى الحج - ما استيسر من الهدي ، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام . وكان معلوما بذلك أنه معني به اللازم له - عند أمنه من إحصاره - من العمل بسبب الإحلال الذي كان منه في حجه الذي أحصر فيه ، دون المتمتع الذي لم يتقدم عمرته ولا حجه إحصار مرض ولا خوف .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث