الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حكم الولاة والحكام المكرهين على الحكم بالقوانين الوضعية

حكم الولاة والحكام المكرهين على الحكم بالقوانين الوضعية

وأما من لا يقدر على ذلك، وهو مكره من جهة المالك، ومقهور في مجاري أمور الممالك، ولا يجد بدا لنفسه ولأتباعه لمصالح هناك ومفاسد في مخالفة ذلك، ولا يستخف، ولا يستحل شيئا مما أنزله الله، وجاء به رسول الله - فالله أرحم الراحمين، وسيد الغافرين.

وأما من رأى أن الحكم بالطاغوت، والقضاء بالجبت أوفق بحال الخلق، وأحسن في السياسة مع القدرة على خلافه، والمماشاة مع ما أنزله الله من الكتاب، ووردت به السنة من حضرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- كحال الفقهاء الحاضرين في الزمن، الخائضين في أنواع من الفتن، المفتين بما في كتب الفروع، التاركين لما في الصحاح الستة، القاضين بما في قوانين ملوك الديار، ودساتير الصناديد من الكفار الأشرار، مع تمكنهم من القضاء والإفتاء بما أنزل الله في كتابه العظيم، وجاء به الرسول الكريم - فنعوذ بالله من حال أهل النار.

بالله عليك قل لي: هل تقدر على مطالعة «الصحيحين» وما يليهما من دواوين السنة المتيسرة في هذا الوقت في كل قطر، وأفق ومصر، بل قرية وقصبة، وتتمكن من إمضاء الأحكام بموجب ما فيها؟ أم لا تقدر إلا على معرفة هذه المدونات الفرعية والتخريجات الفقهية، المشتملة على الرأي المجرد، والهوى البحت؟ مع أن تلك الدواوين في لسان عربي مبين، كما أن هذه الطوامير والدفاتر الطويلة العريضة من الفتاوى المتداولة بين الفقهاء أيضا جمعت في اللغة العربية، وهي عويصة العبارات، مشكلة الإشارات، دقيقة الفهم، عسيرة الفقه، حتى يقال: إن فلانا في البلد الفلاني يعرف الكتاب الفلاني في العلم الفلاني، أحسن من غيره، وما هذا إلا لعسر فهمه على كل أحد من العلماء وطلبة العلم.

بخلاف الكتاب العزيز، فإنه يستوي في تلاوته وقراءته ودراسته، وفهم مبانيه وفقه معانيه، كل من يعرف اللسان العربي والنحو والبيان.

[ ص: 291 ] وكذلك حال السنة المطهرة، في سهولة دركها، ومعرفتها، وحصول العلم بها، بأدنى توجه، وأيسر التفات.

فكيف يستقيم أن المقلدة يقدرون على القضاء والإفتاء من تلك الفتاوى والدفاتر الفروعية، مع إشكال عبارتها، وطول مداها، وإعضال مرامها، وكثرة اختلافها، وتباين آرائها، وتعارض أهوائها، ولا يقدرون على الحكم بما أنزل الله في كتابه، وأخبر به رسوله -صلى الله عليه وسلم- في خطابه، مع كونهما آيات بينات وأحاديث واضحات؟

يكفي قليل المعرفة باللغة العربية في فهم مبانيهما ومعانيهما، مع أن المفسرين والمحدثين قد قضوا الوطر عنهما على أحسن تدريب، وأقرب تقريب، بتحرير الشروح، وتدوين الأصول، وتأليف غريب اللغات، وتحقيق أسماء الرواة، وتبييض كل ما يحتاج إليه في علم السنة، من نقير وقطمير، وجليل وحقير.

وهذه الكتب والعلوم ميسرة لكل أحد من أهل العلم وطلبته، في كل بلدة وقرية، بلا محنة ومشقة زائدة على تحصيل الكتب الفرعية الفقهية العرفية.

فأنصف يا هذا من نفسك، ولا تلم إلا شخصك، هل ما قلناه حق عدل، أم اعتساف وعصبية؟

وما الفائدة في إبقاء ما أنزل الله إلى قيام الساعة وإقامة الحجة به على الخلق إلى يوم القيامة؟

أتقبيله بالشفتين؟ أو وضعه على الرأس والعين فقط؟ أم التدبر في ألفاظه، والتفكر في معانيه، والاعتمال بموجب ما فيه، وترك جميع ما يخالفه وإن جاء من فقيه شهير، أو سفيه حقير؟

وهل أنت من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي ختم الله به سلسلة الرسالة، أم من أمة الأحبار والرهبان، الذين كانوا من آحاد الأمة، ومثلك في اتباع أحكام الملة؟

[ ص: 292 ] اللهم يا من أنعم على كف من التراب بالإيمان، اهدنا إلى سواء الطريق، واجعل خير توفيقك لنا خير رفيق.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث