الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

نعي المؤلف على القضاة والحكام المقلدين

نعي المؤلف على القضاة والحكام المقلدين

وقال تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون [المائدة: 45] قال في «فتح البيان» : قيل: نزلت هذه الآية حين اصطلحوا على ألا يقتل الشريف بالوضيع، ولا الرجل بالمرأة.

قال: وضمير الفصل مع اسم الإشارة، وتعريف الخبر يستفاد منها أن هذا الظلم الصادر منهم ظلم عظيم بالغ إلى الغاية.

وذكر الظلم هنا مناسب؛ لأنه جاء عقب أشياء مخصوصة من أمر القتل والجرح، فناسب ذكر الظلم المنافي للقصاص، وعدم التسوية فيه.

قال: وهذه الآية من الأدلة على اشتراط الاجتهاد، فإنه لا يحكم بما أنزل الله إلا من عرف التنزيل، وعلم التأويل.

ومما يدل على ذلك حديث معاذ بن جبل -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما بعثه إلى اليمن -يعني: قاضيا- قال -أي: امتحانا له-: «كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟» قال: أقضي بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد في كتاب الله؟» قال: فبسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟» قال: أجتهد رأيي، ولا آلو -أي: لا أقصر في الاجتهاد والتحري للصواب.. قال -أي الراوي-: فضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على صدره، وقال: «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما يرضى به رسول الله» رواه الترمذي، وأبو داود، والدارمي.

وهو حديث مشهور، بين القاضي العلامة طرقه، ومن خرجه، في بحث مستقل، وبين صاحب «ظفر اللاضي» صحة الاحتجاج به على هذا المقصود، وتلقي الفحول له بالقبول.

ومعلوم أن المقلد لا يعرف كتابا ولا سنة، ولا رأي له، بل لا يدري أن [ ص: 293 ] الحكم موجود في الكتاب والسنة فيقضي به، أو ليس بموجود فيجتهد رأيه.

فإذا ادعى المقلد أنه يحكم برأيه، فهو يعلم أنه يكذب على نفسه؛ لاعترافه بأنه لا يعرف كتابا وسنة.

فإذا زعم أنه حكم برأيه، فقد أقر على نفسه بأنه حكم بالطاغوت.

وقد سئل الشوكاني -رحمه الله-: هل الراجح جواز قضاء المقلد أم لا؟

فأجاب بما نصه:

الأوامر القرآنية ليس فيها إلا أمر الحاكم بأن يحكم 1- بالعدل 2- والحق 3- وما أنزل الله 4- وما أراه الله.

ومن المعلوم لكل عارف أنه لا يعرف هذه الأمور إلا من كان مجتهدا؛ إذ المقلد إنما هو قابل قول الغير دون حجته، وليس الطريق إلى العلم بكون الشيء حقا أو عدلا إلا الحجة.

والمقلد لا يعقل الحجة إذا جاءته، فكيف يهتدي إلى الاحتجاج بها، وهكذا لا علم عنده بما أنزل الله، إنما عنده علم بقول من قلده.

فلو فرض أن يعلم ما أنزل الله، وما جاء عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- علما صحيحا، لم يكن مقلدا، بل هو مجتهد، وهكذا لا نظر للمقلد.

فإذا حكم بشيء، فهو لم يحكم بما أراه الله، بل بما أراه إمامه، ولا يدري أذلك القول الذي قاله إمامه موافق للحق أم مخالف له؟

وبالجملة: فالقاضي هو من يقضي بين المسلمين بما جاء عن الشارع، كما جاء في حديث معاذ المتقدم. وهذا الحديث، وإن كان فيه مقال، فقد جمع طرقه وشواهده الحافظ ابن كثير في جزء، وقال: حديث حسن مشهور، اعتمد عليه أئمة الإسلام، وقد أخرجه أيضا أحمد، وابن عدي، والطبراني، والبيهقي. ولأئمة الحديث فيه كلام طويل.

والحق أنه من الحسن لغيره، وهو معمول به عند الجمهور.

[ ص: 294 ] وقد دل هذا الحديث على أنه يجب على القاضي أن يقدم القضاء بكتاب الله تعالى، ثم إذا لم يجد فيه قضى بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم إذا لم يجد فيها اجتهد رأيه.

والمقلد لا يتمكن من القضاء في كتاب الله سبحانه؛ لأنه لا يعرف الاستدلال، ولا كيفيته، ولا يمكنه القضاء بما في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لذلك، ولأنه لا يميز بين الصحيح والموضوع، والضعيف المعلل بأي علة، ولا يعرف الأسباب، ولا يدري المتقدم والمتأخر، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والناسخ والمنسوخ، بل لا يعرف مفاهيم هذه الألفاظ، ولا يتعقل معانيها، فضلا عن أن يتمكن من أن يعرف اتصاف الدليل بشيء منها.

وبالجملة: فالمقلد إذا قال: صح عندي، فلا عند له، وإن قال: صح شرعا، فهو لا يدري ما هو الشرع.

وغاية ما يمكنه أن يقول: صح هذا من قول فلان، وهو لا يدري، هل هو صحيح في نفس الأمر أم لا، فهو لا ريب أحد قضاة النار.

لأنه إما أن يصادف حكمه الحق، فهو حكم بالحق، ولا يعلم أنه الحق، أو يحكم بالباطل، وهو لا يعلم أنه باطل، وكلا الرجلين في النار، كما ورد بذلك النص من المختار.

وأما قاضي الجنة، فهو الذي يحكم بالحق، ويعلم أنه الحق، ولا شك أن من يعلم الحق فهو مجتهد لا مقلد، هذا يعرفه كل عارف.

فإن قال المقلد: إنه يعلم أن ما حكم به من قول إمامه حق؛ لأن كل مجتهد مصيب.

نقول له: هل أنت مقلد في هذه المسألة أم مجتهد؟ فإن كنت مقلدا في هذه المسألة فقد جعلت ما هو محل النزاع دليلا لك، وهو مصادرة باطلة، فإنك لا تعلم أنها حق في نفسها، فضلا أن تعلم زيادة على ذلك.

[ ص: 295 ] وإن كنت مجتهدا فيها، فكيف خفي عليك أن المراد بكون كل مجتهد مصيبا، هو من الصواب، لا من الإصابة كما أقر بذلك القائلون بتصويب المجتهدين، وحرروه في مؤلفاتهم المعروفة الموجودة بأيدي الناس؟

وإذا كان ذلك من الصواب لا من الإصابة، فلا يستفاد من المسألة ما تزعمه من كون مذهب إمامك حقا، فإنه لا ينافي الخطأ، وبهذا صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إذا حكم الحاكم فاجتهد وأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد وأخطأ فله أجر واحد» أخرجه الشيخان عن أبي هريرة، وابن عمر، وهذا لا يخفى إلا على أعمى.

وإذا لم تتعقل الفرق بين الصواب والإصابة، فاستر نفسك بالسكوت، ودع عنك الكلام في المباحث العلمية، وتعلم ممن يعلم، حتى تذوق حلاوة العلم.

فهذا حاصل ما لدي في هذه المسألة، وإن كانت طويلة الذيل، والخلاف فيها مدون في الأصول والفروع، ولكن السائل لم يسأل عن أقوال الرجال، إنما سأل عن تحقيق الحق. انتهى كلامه -رحمه الله تعالى- في «إرشاد السائل إلى أدلة المسائل»..

وقد حققنا ذلك المقام في كتابنا «الجنة في الأسوة الحسنة بالسنة» وكشفنا القناع عن وجه التقليد والاتباع، فارجع إليه، وعول في معرفة الصواب الحق عليه، وبالله التوفيق، وهو المستعان. انتهى كلام تفسير «فتح البيان».

وأقول: والمقصود من إيراد هذه الآية في هذا الموضع: أن الحاكم بما لم ينزل الله به سلطان ظالم.

وحيث إن الأشياء تتفاوت في الرتب؛ من الحرمة، والكراهة، والشرك، والكفر، والحكم فيها أيضا يتفاوت بحسبها، سجل سبحانه في الآية الأولى [ ص: 296 ] الكفر على من حكم بغير ما أنزل الله، ولم يحكم بالكتاب والسنة، وهذا يكون فيما سبيله مشاققة الله والرسول.

وسجل في هذه الآية عليه الظلم، وقد يطلق الظلم على أشد الكفر، وهو الشرك، وعلى الكبيرة، وهو الفسق.

فلا فرق بين إطلاق الكفر، وإطلاق الظلم على من لم يحكم بالقرآن والحديث.

فإن أريد بالظلم هنا ما هو دون الكفر، فالمراد: الحكم بما هو دون أنواع الكفر، وهو ظلم لا شك فيه. كيف وقد قيل: «إن المعاصي بريد الكفر» ؟.

وفي آية ثالثة: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون [المائدة: 47]. قال في «فتح البيان» : أي من لم يقض بما في الكتاب العزيز والسنة المطهرة؛ لقوله سبحانه: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا [الحشر: 7].

ولقوله -صلى الله عليه وسلم-: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه» رواه أبو داود، والدارمي، وابن ماجه، عن المقدام بن معديكرب، فأولئك هم الخارجون عن الطاعة.

قال: وذكر الفسق هنا مناسب؛ لأنه خروج عن أمر الله؛ إذ تقدمه قوله: وليحكم أهل الإنجيل [المائدة: 47] وهو أمر، قاله أبو حيان.

وفي هذه الآية والآيتين المتقدمتين من الوعيد والتهديد ما لا يقادر قدره.

وقد تقدم أن هذه الآيات، وإن نزلت في أهل الكتاب، فليست مختصة بهم، بل هي عامة لكل من لم يحكم بما أنزل الله؛ اعتبارا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ويدخل فيه السبب دخولا أوليا.

وفيها دلالة على اشتراط الاجتهاد في القضية، وإشارة إلى ترك الحكم بالتقليد.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث