الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في بيع الربوي بجنسه

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( فأما ما يحرم فيه الربا فينظر فيه فإن باعه بجنسه حرم فيه التفاضل والنساء والتفرق قبل التقابض ، لما روى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { الذهب بالذهب والفضة بالفضة والتمر بالتمر والبر بالبر والشعير بالشعير والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد ، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم ، إذا كان يدا بيد } فإن باعه بغير جنسه - نظرت فإن كان مما يحرم الربا فيهما لعلة واحدة كالذهب والفضة والشعير والحنطة - جاز فيه التفاضل وحرم فيه النساء والتفرق قبل التقابض لقوله صلى الله عليه وسلم : " { فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد } . فإن تبايعا وتخايرا في المجلس قبل التقابض بطل البيع لأن التخاير كالتفرق ، ولو تفرقا قبل التقابض بطل العقد ، فكذلك إذا تخايرا ، وإن تبايعا دراهم بدنانير في الذمة وتقابضا ثم وجد أحدهما بما قبض عيبا - نظرت فإن لم يتفرقا - جاز أن يرد ويطالب بالبدل لأن المعقود عليه ما في الذمة ، وقد قبض قبل التفرق ، وإن تفرق ففيه قولان : ( أحدهما ) يجوز إبداله لأن ما جاز إبداله قبل التفرق جاز بعده ، كالمسلم فيه .

( والثاني ) لا يجوز ، وهو قول المزني لأنه إذا أبدله صار القبض بعد التفرق ، وذلك لا يجوز . وإن كان مما يحرم فيهما الربا بعلتين كبيع الحنطة بالذهب والشعير [ ص: 506 ] بالفضة حل فيه التفاضل والنساء والتفرق قبل التقابض لإجماع الأمة على جواز إسلام الذهب والفضة في المكيلات المطعومة ) .

التالي السابق


فصل : في مذاهب العلماء في الأحكام التي ذكرها المصنف في هذا الفصل إلى هذا المكان ، اقتضى قول المصنف أنه إذا باع الربوي بجنسه حرم فيه التفاضل والنساء والتفرق قبل التقابض ، وإذا باعه بما يشاركه في العلة حرم النساء والتفرق فقط ، وأن الشعير والحنطة جنسان ، فهذه خمسة أحكام منها ما هو مجمع عليه ، ومنها ما هو مختلف فيه ، وسأبين ذلك واحدا واحدا إن شاء الله تعالى .

( الحكم الأول ) تحريم التفاضل في الجنس الواحد من أموال الربا إذا بيع بعضه ببعض ، كبيع درهم بدرهمين نقدا أو صاع قمح بصاعين ، أو دينار بدينارين ويسمى ربا الفضل ، لفضل أحد العوضين على الآخر ، وربا النقد في مقابلة ربا النسيئة . وإطلاق التفاضل على الفضل من باب المجاز . فإن الفضل في أحد الجانبين دون الآخر ، وقد أطبقت الأمة على تحريم التفاضل إذا اجتمع مع النساء ، وأما إذا انفرد نقدا فإنه كان فيه خلاف قديم صح عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما إباحته ، وكذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما مع رجوعه عنه . وروي عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه [ ص: 26 ] وأسامة بن زيد رضي الله عنه وفيه عن معاوية شيء محتمل . وزيد بن أرقم والبراء بن عازب من الصحابة رضي الله عنهم ( فأما ) التابعون فصح ذلك أيضا عن عطاء بن أبي رباح وفقهاء المكيين .

وروي عن سعيد وعروة ثم روي عن ابن عباس ما يقتضي رجوعه عن ذلك . وكذلك عن ابن مسعود ، وانتداب جماعة من العلماء لتبيين رجوع من قال بذلك من الصدر الأول والتشوف إلى دعوى الإجماع على التحريم . وها أنا إن شاء الله تعالى - أبين ما روي من الآثار عن القائلين بذلك . ثم ما روي من رجوع من رجع عنه . ثم أذكر كلام من تشوف لجعل المسألة إجماعية . ثم أبين الحق في ذلك بحول الله تعالى وقوته . فهذه أربعة فصول . القائلون بجوازه ( الأول ) ما روي من الآثار عن القائلين بذلك : روينا عن أبي صالح الزيات أنه سمع أبا سعيد الخدري رضي الله عنه يقول : " الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم فقلت له : فإن ابن عباس لا يقوله . فقال أبو سعيد : سألته فقلت : سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم أو وجدته في كتاب الله تعالى ؟ فقال : كل ذلك لا أقول ، وأنتم أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم مني ، ولكن أخبرني أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " { لا ربا إلا في النسيئة } " رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري فيما رويناه عنه . وقد اجتمع في هذا الحديث ثلاثة من الصحابة يروي بعضهم عن بعض . وروي عن ابن الزبير المكي واسمه محمد بن مسلم بن تدرس بفتح التاء ودال ساكنة وراء مضمومة وسين مهملة قال " سمعت أبا أسيد الساعدي وابن عباس يفتي الدينار بالدينارين فقال له أبو أسيد الساعدي وأغلظ له . قال : فقال ابن عباس : ما كنت أظن أن أحدا يعرف قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لي مثل هذا يا أبا أسيد . فقال أبو أسيد : أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم { يقول : الدينار بالدينار ، وصاع حنطة بصاع حنطة ، وصاع شعير بصاع شعير ، وصاع ملح بصاع ملح ، لا فضل بينهما في شيء من ذلك } . فقال ابن عباس : إنما هذا شيء كنت [ ص: 27 ] أقوله برأيي ولم أسمع فيه بشيء " رواه الحاكم في المستدرك وقال إنه صحيح على شرط مسلم - رحمه الله - وفي سنده عتيق بن يعقوب الزبيري . قال الحاكم : إنه شيخ قرشي من أهل المدينة وأبو أسيد بضم الهمزة وروينا في معجم الطبراني من حديث أبي صالح ذكوان أنه سأل ابن عباس عن بيع الذهب والفضة فقال " هو حلال بزيادة أو نقصان ، إذا كان يدا بيد قال أبو صالح : فسألت أبا سعيد بما قال ابن عباس ، وأخبرت ابن عباس بما قال أبو سعيد والتقيا وأنا معهما ، فابتدأه أبو سعيد الخدري فقال : يا ابن عباس ما هذه الفتيا التي تفتي بها الناس في بيع الذهب والفضة ، تأمرهم أن يشتروه بنقصان أو زيادة يدا بيد ؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما : ما أنا بأقدمكم صحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا زيد بن أرقم والبراء بن عازب يقولان سمعنا النبي صلى الله عليه وسلم رواه الطبراني بإسناد حسن .

وروينا في صحيح مسلم - رحمه الله - أيضا عن أبي نضرة بالنون والضاد المعجمة قال : " سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن الصرف فقال : أيدا بيد ؟ فقلت : نعم قال : لا بأس به ، فأخبرت أبا سعيد فقلت : إني سألت ابن عباس عن الصرف فقال : أيدا بيد ؟ قلت نعم قال : فلا بأس به . قال : أو قال ذلك ؟ إنا سنكتب إليه فلا يفتيكموه . قال : { فوالله لقد جاء بعض فتيان رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمر فأنكره ، فقال كأن هذا ليس من تمر أرضنا . قال : كان في تمر أرضنا أو في تمرنا العام بعض الشيء ، فأخذت هذا وزدت بعض الزيادة ، فقال أضعفت أربيت ، لا تقربن هذا ، إذا رابك من تمرك شيء فبعه ثم اشتر الذي تريد من التمر } وقد روي القول بذلك عن ابن عباس من جهة جماعة من أصحابه ، منهم أبو الجوزاء وأبو مجلز وعبد الرحمن بن أبي نعيم وبكر بن عبد الله المزني وزيادتنا ذكر رواياتهم في ذلك إن شاء الله تعالى - في فصل رجوعه عن ذلك . أما عبد الله بن عمر فروينا عن أبي نضرة المتقدم ذكره قال " سألت ابن عمر وابن عباس عن الصرف فلم يريا به بأسا ، فإني لقاعد عند أبي سعيد الخدري فسألته عن الصرف فقال : ما زاد فهو ربا ، فأنكرت ذلك لقولهما ، فقال لا أحدثك إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم { جاءه صاحب نخلة بصاع [ ص: 28 ] من تمر طيب ، وكان تمر النبي صلى الله عليه وسلم هذا اللون ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أنى لك هذا ؟ قال انطلقت بصاعين فاشتريت بهما هذا الصاع ، فإن سعر هذا في السوق كذا وسعر هذا كذا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلك أربيت ، إذا أردت ذلك فبع تمرك بسلعة ، ثم اشتر بسلعتك أي تمر شئت } . قال أبو سعيد فالتمر بالتمر أحق أن يكون ربا ؟ أم الفضة بالفضة ؟ قال : فأتيت ابن عمر بعد فنهاني ، ولم آت ابن عباس ، قال : فحدثني أبو الصهباء : أنه سأل ابن عباس رضي الله عنهما عنه بمكة فكرهه رواه مسلم بهذا اللفظ ، وهذا لفظ روايتنا فيه ، وفي هذا الحديث ما يدل على أن أبا سعيد رضي الله عنه استعمل القياس في إشارته إلى أن الفضة بالفضة أحق بالربا من التمر بالتمر ، وأن تحريم الربا في الأشياء الستة معلل ، والمراد بالصرف الذي سئل عنه ابن عمر وابن عباس صرف النقد بجنسه مع عدم رعاية التماثل ، كذلك حمله عليه جماعة من العلماء ، وجعلوا ابن عمر ممن خالف ثم رجع وسياق الرواية يرشد إلى ذلك ، وإن كان يحتمل أن يحمل على الصرف الجائز ، ويكون نهيه بعد ذلك تبيينا لمراده بالإطلاق أولا لا رجوعا ، لكن السياق وفهم أبي نضرة عنه يأباه والله تعالى أعلم . ( وأما ) عبد الله بن مسعود فروى الإمام الشافعي رضي الله عنه في كتاب أحكام علي وابن مسعود عن أبي معاوية عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن عبد الله قال : " لا بأس بالدرهم بالدرهمين " وهذا إسناد صحيح نقلته من نسخة معتبرة من الأم ، قال فيها الشافعي : أخبرنا أبو معاوية ولا مانع من ذلك فإنه عاصره وروى البيهقي ذلك في كتاب المعرفة فقال : عن الشافعي فيما بلغه عن أبي معاوية . وقد روى أيضا من طريق سعيد بن منصور عن أبي معاوية بهذا الإسناد ، فأيا ما كان فهو صحيح عن ابن مسعود ، ولفظ ابن مسعود في رواية سعيد بن منصور " لا ربا فيما كان يدا بيد " ورواه البيهقي في كتابيه السنن والآثار ، ومعرفة السنن مع روايته للفظ المتقدم بلفظ آخر ليس بصريح ، سأذكره إن شاء الله - تعالى - في فصل الرجوع عن ذلك ولا حاجة إلى ذكره هنا للاستغناء بما هو أصرح منه ، والله أعلم .

[ ص: 29 ] وأما معاوية فلم يحقق ذلك عنه ، فإنه روي عنه شيء محتمل لذلك ولغيره ، وجرت له في ذلك قصة مع عبادة بن الصامت رضي الله عنهما مشهورة ، وروي عن أبي الدرداء رضي الله عنه ولعلها جرت معهما مرتين . أما قصة أبي الدرداء فروى مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار " أن معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها ، فقال له أبو الدرداء : { سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذا إلا مثلا بمثل } ، فقال له معاوية : ما أرى بهذا بأسا ، فقال أبو الدرداء : من يعذرني من معاوية ؟ أخبره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخبرني عن رأيه ، لا أساكنك بأرض أنت بها ، ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب رضي الله عنهما فذكر ذلك له ، فكتب عمر بن الخطاب إلى معاوية أن لا يبيع ذلك إلا مثلا بمثل وزنا بوزن " . هذا لفظ الموطأ ورواه النسائي إلى آخر لفظ النبي صلى الله عليه وسلم مثلا بمثل من طريق مالك ، والسقاية الإناء يسقى به ، والسقاية موضع السقي . قاله في المحكم .

وروى مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه قصة عبادة مع معاوية عن أبي الأشعث ، واللفظ لمسلم ، وهذا لفظ روايتنا في صحيحه قال : " غزونا غزاة وعلى الناس معاوية فغنمنا غنائم كثيرة ، فكان فيما غنمنا آنية من فضة ، فأمر معاوية رجلا أن يبيعها في أعطيات الناس ، فتصارع الناس في ذلك ، فبلغ عبادة بن الصامت فقام فقال : { إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، والبر بالبر ، والشعير بالشعير ، والتمر بالتمر ، والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين ، فمن زاد أو ازداد فقد أربى } ، فرد للناس ما أخذوا ، فبلغ ذلك معاوية فقام خطيبا فقال : ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث ، قد كنا نشهده ونصحبه ، فلم نسمعها منه ، فقام عبادة بن الصامت رضي الله عنه فأعاد القصة وقال : لنحدثن بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كره معاوية ، أو قال : وإن رغم ، ما أبالي ألا أصحبه في جنده ليلة سوداء وفي رواية أبي داود والنسائي في هذا الحديث بأسانيد صحيحة { الذهب بالذهب تبرها وعينها وزنا بوزن والفضة بالفضة تبرها وعينها } وفيه عندهما { فمن زاد أو ازداد فقد أربى وفي آخره عندهما [ ص: 30 ] ولا بأس ببيع البر بالشعير ، والشعير أكثرهما يدا بيد ، وأما النسيئة فلا } ولفظ ابن ماجه { وأمرنا أن نبيع البر بالشعير والشعير بالبر يدا بيد كيف شئنا } . وهذا المنقول عن معاوية معناه أنه كان لا يرى الربا في بيع العين بالتبر ولا بالمصوغ وكان يخير في ذلك التفاضل ، ويذهب إلى أن الربا لا يكون في التفاضل إلا في التبر بالتبر ، وفي المصوغ بالمصوغ ، وفي العين بالعين ، كذلك نقل عن ابن عبد البر ، فليس موافقا ابن عباس مطلقا ، وإن كان الذي ذهب إليه من الشذوذ الذي لا يعول عليه ، وسيأتي الكلام عليه قريبا إن شاء الله تعالى .

( وأما أسامة ) فلا أعلم عنه في ذلك شيئا إلا روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم : " { إنما الربا في النسيئة } " ولا يكفي ذلك في نسبة هذا القول إليه فإنه لا يلزم من الرواية القول بمقتضى ظاهرها لجواز أن يكون معناها عنده على خلاف ذلك أو يكون عنده معارض راجح ، وإنما ذكرته لأن جماعة من أصحابنا وغيرهم كالماوردي من الشافعية وأبي محمد المقدسي صاحب المغني من الحنابلة ، نقلوه عنه وعن البراء بن عازب وزيد بن أرقم وعبد الله بن الزبير ووافقهم الشيخ أبو حامد الإسفراييني على هذا النقل فيما عدا البراء ، ووافقهم الخطابي في أسامة ، فإن كان عندهم مسند غير ذلك فالله أعلم . ( أما البراء وزيد بن أرقم ) فكذلك لا أعلم النقل عنهما صريحا في ذلك إلا ما روينا عن أبي المنهال سيار بن سلامة " باع شريك لي بالكوفة دراهم بدراهم بينهما فضل ، فقلت : ما أرى هذا يصلح ، فقال لقد بعتها في السوق فما عاب علي ذلك أحد فأتيت البراء بن عازب فسألته فقال : { قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وتجارتنا هكذا ، فقال : ما كان يدا بيد فلا بأس وما كان نسيئا فلا خير فيه } وأت زيد بن أرقم فإنه كان أعظم تجارة مني . فأتيته فذكرت ذلك له فقال : صدق البراء " إسناده صحيح ولكن له علة ، وقيل : إنه منسوخ ، وسأبسط الكلام عليه إن شاء الله تعالى في ذكر دليل ابن عباس ومن وافقه والجواب عنه . ( وأما عبد الله بن الزبير ) فلم أقف على إسناده إليه بذلك . وإنما [ ص: 31 ] الشيخ أبو حامد والماوردي وأبو محمد المقدسي الحنبلي حكوه عنه والله أعلم . فهذا ما بلغني عن الصحابة رضي الله عنهم ممن نسب إليه القول بذلك . وأما التابعون فقال الشافعي - رحمه الله - في كتاب اختلاف الحديث " كان ابن عباس لا يرى في دينار بدينارين ولا في درهم بدرهمين يدا بيد بأسا ويراه في النسيئة " وكذلك عامة أصحابه وكان يروي مثل قول ابن عباس عن سعيد وعروة بن الزبير رأيا منهما إلا أنه يحفظ عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الشافعي - رحمه الله - : وهذا قول المكيين . هذا كلام الشافعي بحروفه وجاء عن جرير بن حازم قال " سألت عطاء بن أبي رباح عن الصرف فقال : يا بني إن وجدت مائة درهم نقدا فخذه " وقال ابن عبد البر : إن أهل مكة كانوا عليه قديما وحديثا ، يجرون التفاضل في ذلك إذا كان يدا بيد ، أخذوا ذلك عن ابن عباس رحمه الله .

( الفصل : الثاني ) فيما نقل من رجوع من قال بذلك من الصدر الأول ( أما ) ابن عباس فقد اختلف في رجوعه ، ذكرنا من قال إنه رجع عنه . قد تقدم قول أبي الصهباء الثابت في صحيح مسلم أنه سأله عنه فكرهه ، وتقدم أيضا مناظرة أبي سعيد وأبي أسيد له في قوله بإباحته . وعن حيان بالحاء المهملة والياء ابن عبيد الله بالتصغير العدوي قال : " سألت أبا مجلز عن الصرف فقال : كان ابن عباس لا يرى به بأسا زمانا من عمره ما كان منه عينا يعني يدا بيد . وكان يقول : إنما الربا في النسيئة ، فلقيه أبو سعيد الخدري فقال له : يا ابن عباس ألا تتقي الله ؟ إلى متى تؤكل الناس الربا ؟ أما بلغك { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم وهو عند زوجته أم سلمة : إني لأشتهي تمر عجوة فبعثت صاعين من تمر إلى رجل من الأنصار فجاءت بدل صاعين صاعا من تمر عجوة فقامت فقدمته إلى رسول الله فلما رآه أعجبه فتناول تمرة ثم أمسك فقال : من أين لكم هذا ؟ فقالت أم سلمة بعثت صاعين من تمر إلى رجل من الأنصار فأتى بدل صاعين هذا الصاع الواحد . وها هو كل فألقى التمر بين يديه وقال : ردوه لا حاجة لي فيه التمر بالتمر ، والحنطة بالحنطة . [ ص: 32 ] والشعير بالشعير ، والذهب بالذهب ، والفضة بالفضة يدا بيد عينا بعين ، مثلا بمثل ، فمن زاد فهو ربا ، } ثم قال : كذلك ما يكال أو يوزن أيضا فقال ابن عباس : جزاك الله يا أبا سعيد الجنة فإنك ذكرتني أمرا كنت نسيته أستغفر الله وأتوب إليه فكان ينهى عنه بعد ذلك أشد النهي " رواه الحاكم في المستدرك وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه بهذه السياقة ، وفي حكمه عليه بالصحة نظر ، فإن حيان بن عبيد الله المذكور قال ابن عدي : عامة ما يرويه إفرادات يتفرد فيها وذكر ابن عدي في ترجمته حديثه في الصرف هذا بسياقه ، ثم قال : وهذا الحديث من حديث أبي مجلز عن ابن عباس تفرد به حيان ، قال البيهقي وحيان تكلموا فيه . واعلم أن هذا الحديث ينبغي الاعتناء بأمره وتبين صحته من سقمه لأمر غير ما نحن فيه ، وهو قوله وكذلك ما يكال ويوزن ، وقد تكلم فيه بنوعين من الكلام ( أحدهما ) تضعيف الحديث جملة وإليه أشار البيهقي ، وممن ذهب إلى ذلك ابن حزم أعله بشيء أنبه عليه لئلا يغتر به وهو أنه أعله بثلاثة أشياء ( أحدها ) أنه منقطع من أبي سعيد لا من ابن عباس ( والثاني ) لذكره أن ابن عباس رجع واعتقاد ابن حزم أن ذلك باطل ، لمخالفة سعيد بن جبير ( والثالث ) أن حيان بن عبيد الله مجهول . فأما قوله : إنه منقطع فغير مقبول ، لأن أبا مجلز أدرك ابن عباس وسمع منه وأدرك أبا سعيد ، ومتى ثبت ذلك لا تسمع دعوى عدم السماع إلا بثبت ، وأما مخالفة سعيد بن جبير فسنتكلم عليها في هذا الفصل إن شاء الله تعالى . وأما قوله : إن حيان بن عبيد الله مجهول ، فإن أراد مجهول العين فليس بصحيح بل هو رجل مشهور ، روى عنه غير واحد ، روى عنه حديث الصرف هذامحمد بن عبادة ، ومن جهته أخرجه الحاكم ، وذكره ابن حزم ، وإبراهيم بن الحجاج الشامي ومن جهته رواه ابن عدي ويونس بن محمد ومن جهته رواه البيهقي وهو حيان بن عبيد الله بن حيان بن بشر بن عدي . بصري سمع أبا مجلز ولاحق ابن حميد والضحاك ، وعن أبيه . وروي عن عطاء وابن بريدة ، روى عنه موسى بن إسماعيل ومسلم بن إبراهيم وأبو داود وعبيد الله بن موسى ، عقد له البخاري وابن أبي حاتم ترجمة فذكر كل [ ص: 33 ] منهما بعض ما ذكرته وله ترجمة في كتاب ابن عدي أيضا كما أشرت إليه فزال عنه جهالة العين . وإن أراد جهالة الحال ، فهو قد رواه من طريق إسحاق بن راهويه ، فقال في إسناده : أخبرنا روح قال " حدثنا حيان بن عبيد الله وكان رجل صدق " فإن كانت هذه الشهادة له بالصدق من روح بن عبادة فروح محدث نشأ في الحديث عارف به مصنف فيه متفق على الاحتجاج به ، بصري بلدي للمشهود له ، فتقبل شهادته له ، وإن كان هذا القول من إسحاق بن راهويه ، فناهيك به ومن يثني عليه إسحاق . وقد ذكر ابن أبي حاتم حيان بن عبيد الله هذا ، وذكر جماعة من المشاهير ممن روى عنه وممن روى عنهم . وقال : إنه سأل أباه عنه فقال : صدوق .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث