الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ما يعتبر جنسا واحدا وما يعتبر جنسين في البيوع

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( وكل شيئين اتفقا في اسم الخاص من أصل الخلقة ، كالتمر البرني والتمر المعقلي فهما جنس واحد وكل شيئين اختلفا في الاسم من أصل الخلقة كالحنطة والشعير والتمر والزبيب فهما جنسان والدليل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ستة أشياء وحرم فيهما التفاضل إذا باع كل شيء [ ص: 161 ] منها بما وافقه في الاسم وأباح فيها التفاضل إذا باعه بما خالفه في الاسم ، فدل على أن كل شيئين اتفقا في الاسم فهما جنس وإذا اختلفا في الاسم فهما جنسان ) .

التالي السابق


( الشرح ) لما تقرر أن حكم الربوي إذا بيع بجنسه مخالف لحكمه إذا بيع بغير جنسه احتيج إلى معرفة الجنس ، فإن كل ربويين يشتركان في أمور ويختلفان في أمور فلا بد من ضابط ، فذكر المصنف هذا الضابط ، وقد أخذه من معاني كلام الشافعي والأصحاب وحرره بهذه العبارة واستدل له ، وهو أصل عظيم ينبني عليه مسائل كثيرة كاللحوم والألبان والأدقة واعتراضات وأجوبة عليها ستنكشف لك فيما بعد إن شاء الله تعالى . قال الشافعي رضي الله عنه في الأم في باب جماع تفريع الكيل والوزن بعضه ببعض ما ملخصه : إنك تنظر إلى الاسم الأعم الجامع كالنبات مثلا ثم تقسمه إلى الحب ، اسما وغيره بمعنى الاسم الذي يميزه به عما يشاركه من الحب والنبات ، وكذلك الذهب والفضة يشملهما أنهما مخلوقان من الأرض ، ثم ينقسم ذلك إلى تبر وغيره ، ثم ينقسم التبر إلى ذهب وفضة وغيرهما من النحاس والحديد وغيرهما ، فالذهب والفضة ، والتمر والزبيب والحنطة والشعير أخص الأسماء الصادقة على ذلك ، وليس ينقسم بعد ذلك إلا إلى الصفات فيقال : تمر برني ، وتمر معقلي ، وذهب مصري ، وذهب مغربي وما أشبه ذلك ، وليس لكل نوع من ذلك شيء يخصه ، بل إذا أريد معرفته ذكر الاسم الخاص وهو التمر والذهب . ثم قيل بتلك الصفة بخلاف الذهب والتمر بالنسبة إلى التبر والحب لا يذكر الاسم الأعم منهما بل اسمهما بخصوصه .

قال الشافعي رضي الله عنه : الحنطة جنس ، وإن تفاضلت وتباينت في الأسماء ، كما يتباين الذهب ويتفاضل في الأسماء قال : ولا بأس بحنطة جيدة يساوي مدها دينارا بحنطة رديئة لا يساوي مدها سدس دينار ، ولا حنطة حديثة بحنطة قديمة ، ولا حنطة بيضاء صافية بحنطة سوداء قبيحة مثلا مثلا بمثل ، فقول المصنف في الاسم الخاص قال ابن أبي عصرون : قال [ ص: 162 ] أبو علي الفارقي : احتراز من الاسم المشترك كالفاكهة فإنه اسم يعم ، وكذلك الثمر ، فإذا قال تمر فقد خصص .

( قلت ) فلم قال من أصل الخلقة ولم يقل من أصل الوضع ؟ والأسماء توضع ولا يقال تخلق ، قال : فيه احتراز من الدقيق ، فإنه اسم ثابت له من أصل الوضع ولكن الاسم الذي ثبت له من أصل الخلقة هو الحنطة والشعير فإن الدقيق لم يخلق على هيئته وإنما يخلق حبا ثم يطحن فيصير دقيقا انتهى ، وكذلك اللحوم ، قال ابن الرفعة : قيل ولا حاجة إلى زيادة هذا القيد كما أسقطه في التتمة ، فإن الاسم الخاص فيها لا يكون إلا مع الإضافة ، كقوله : دقيق بر ودهن سمسم ونحو ذلك .

( قلت ) وقول المصنف في الجنسين اختلفا في الاسم ، ولم يقل الخاص كما قال في الجنس الواحد في غاية الحسن لأن الاختلاف في الاسم صادق بطريقين : ( أحدهما ) بالاختلاف في الاسم الخاص مع الاشتراك في العام كما مثل .

( والثاني ) الاختلاف في الاسم العام أيضا ، ومن ضرورته الاختلاف في الاسم الخاص . وإذا كان الاختلاف في الاسم الخاص يوجب الاختلاف في التجانس فالاختلاف في الاسم العام بذلك أولى ، وإن كان لا بد بين كل شيئين من اسم عام ، لكنه قد يكون بعيدا واستدلال المصنف لذلك بما ذكر في غاية الجودة . فإن النبي صلى الله عليه وسلم أباح التفاضل عند اختلاف هذه الأشياء التمر بالبر والذهب بالفضة مع اشتراكهما في الاسم العام وهو الحب والتبر ، وحرم التفاضل عند مقابلتها بمثلها كالذهب بالذهب ، وهما متفقان في الاسم وإن اختلفا فيما هو أخص من ذلك كالقاساني والسابوري ، فدل على أنه حيث حصل الاتفاق في الاسم الخاص حرم التفاضل ، وحيث اختلفا في الاسم الخاص جاز التفاضل وذلك هو مرادنا هنا باتفاق الجنس واختلافه .

وكذلك المصنف . المراد به هنا الجنس ، فحيث اتفق الاسم صدق أنه جنس واحد وصنف واحد . وحيث اختلف يقال : جنسان وصنفان ، فلذلك جاء في حديث عبادة في مسلم " { فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم } " وكذلك اللون فقد تقدم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في مسلم من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 163 ] بعد ذكر الأشياء " { فمن زاد أو استزاد فقد أربى إلا ما اختلفت ألوانه } " وليس المراد بالألوان من التمر أو الحنطة وما أشبههما لما تقرر أن ألوان التمر لا يجوز التفاضل بينها ، ويدل عليه حديث عامل خيبر المتقدم في الجمع والجنيب ، وإنما المراد بالألوان الأصناف ، فحينئذ الجنس والصنف واللون فيما نحن فيه سواء وليس المراد بالجنس ، هاهنا ما يتعارفه الأصوليون ، فإن ذلك اصطلاح آخر .

وقال القاضي عبد الوهاب المالكي في شرح الرسالة : إن قولنا جنس تارة يرجع إلى اتفاق في حكم من أحكام الشرع كالإبل والبقر والغنم في اشتراكها في وجوب الزكاة ، والإجزاء في الضحايا والهدايا ، وإنها من بهيمة الأنعام ، ذكر في تأييد قولهم في اللحوم ، وما قدمناه من اعتبار التسمية أولى ، لأن الدليل المتقدم دل على اعتباره . وقد يقال : إن مقتضى هذا الضابط أن يكون الطلع والرطب والتمر أجناسا لاختلافها في الاسم الخاص وقد اتفق الأصحاب على أنها جنس واحد ، وإن اختلفوا في بيع الطلع بالتمر والرطب ، وكذلك الدقيق والحنطة مختلفان في الاسم الخاص .

( فالجواب ) أما الطلع فإنه اسم يدخل تحته طلع النخلة كله ، ثم هو بعد ذلك يصير إلى حالة تسمى بسرا أو رطبا أو تمرا ، فهو حين كان طلعا كان جنسا واحدا بلا إشكال للاتفاق في الاسم والحقيقة ، فحين انتقل شيء من الطلع إلى حالة يسمى فيها تمرا أو رطبا لا يمكن أن يقال : إنه جنس غير الطلع لأنه هو مع تبدل صفته ، وحصل له اسم خاص تبعا لتلك الصفة وذلك لا يوجب الاختلاف في الجنس ، فإن اختلاف الجنس الواحد باليبس والرطوبة والتلون لا يوجب اختلاف حقيقته ، فلذلك لم يصر اختصاص كل منهما باسم أخص من الطلع في جعلها أجناسا ، لأن الطلع الذي فرضنا الكلام [ فيه ] طلع نخلة بعينها تبدلت حالاته ، فالطلع اسم خاص بتلك الذات ولأفرادها أسماء باعتبار الصفات .

وهذا أولى بالاتحاد من المعقلي والبرني لأنهما نوعان ، واختلاف النوع أشد من اختلاف الوصف ، فإن النوعين اختلافهما في النوعية ثابت من أصل الخلقة ، بخلاف التمر مع الرطب والطلع وكذلك الدقيق هو الحنطة بعينه ، ولكن تبدلت صفته . واختلاف الأسماء إنما جعل مناط اختلاف الأجناس عند اختلاف الذوات كالبر والشعير أما [ ص: 164 ] مع اتحادها فلا أثر لاختلافه التابع للصفات ، ولك أن تأخذ على قياس هذا أنه مع اختلافها لا أثر للاتحاد الطارئ كاللحمان والأدقة والأدهان والخلول . وسيأتي الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى .

( فإن قلت ) قد اختلف الأصحاب في السلم ، هل اختلاف النوع كاختلاف الجنس ؟ والأصح أنه مثله ، وها هنا اتفقوا على أن اختلاف النوع ليس كاختلاف الجنس فلا يجوز بيع نوع من الربويات بنوع آخر من جنسه متفاضلا ، فما الفرق بين الغايتين ؟ ( قلت ) القول في السلم أن عند اختلاف النوع لم يأت بما يثبت في ذمته بل بغيره ، والأصل أن لا تبرأ ذمة إلا بما يثبت فيها ، سواء كان من جنسه أو من غير جنسه ، إلا أن يكون بينهما من الاختلاف ما لا يختلف الغرض به .

وأما الربويات فالمعتبر مسمى الجنس وهو موجود في النوعين ، ونحن وإن قلنا في السلم لا يأخذ أحد النوعين عن الآخر لا نجعلهما جنسين ، بل مع اتفاق الجنس نمنع من الأخذ لما تقدم ، والله أعلم . فأنواع التمر كلها كالمعقلي والبرني وغير ذلك جنس واحد ، وأنواع الحنطة كالصعيدي والبحيري وغيرهما جنس واحد ، وأنواع الذهب كالمصري والمغربي وغيرهما جنس واحد وأنواع الزبيب كالأسود والأحمر وسائر أصنافه جنس واحد ، والمعتمد فيه حديث بلال المتقدم ، وإطلاق قوله صلى الله عليه وسلم " { التمر بالتمر والذهب بالذهب والحنطة بالحنطة } " .

( فائدة ) البرني ضرب من التمر أصفر مدور عن صاحب المحكم أنه أجود التمر . وقال الشيخ في السلم : إن المعقلي أفضل منه . ونوزع في ذلك ، وقولهم في البرني : إنه مدور أصفر ، كذلك لقد رأيناه وليس فيه تدوير . والمعقلي بالعراق منسوب إلى معقل بن يسار الصحابي رضي الله عنه وإليه ينسب نهر معقل بالبصرة ، ولكن لا يستكمل الغرض في تحقيق هذا الضابط وتحريره إلا بذكر المسائل التي وقع فيها الاشتباه في ذلك . فبذلك يتضح المعتمد في هذا الأصل . والله المستعان . وقول المصنف ( فدل على أن كل شيئين اتفقا في الاسم فهما جنس واحد ) مقصوده بالاسم الاسم الخاص الذي من أصل الخلقة . وسكت عن تقييده بذلك لما تقدم من كلامه .

[ ص: 165 ] ولأن المراد الاسم المعهود الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في الأشياء الستة فإنه بهذه الصفة والله أعلم . وقد يورد على هذا الأصل التمر والرطب فإنهما جنس واحد مع اختلافهما في الاسم ولا يرد التمر ، فإن اسم التمر طارئ عليه بعد كونه رطبا . وكذلك لا يرد الضأن والمعز فإنهما يذكران صفة لا اسما فيقال شاة ضانية وشاة ماعزة .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث