الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( فعلى هذا دقيق الحنطة ودقيق الشعير جنسان وخبز الحنطة وخبز الشعير جنسان ودهن الجوز ودهن اللوز جنسان ) .

التالي السابق


( الشرح ) هذا التفريع على ذلك الأصل لا خفاء فيه هذا هو الصحيح المشهور ، وبه جزم أكثر الأصحاب ، وادعى الشيخ أبو حامد أن مسألتي الدقيق والخبز لا خلاف فيهما ; لأن الأدقة أجناس ، والأخباز أجناس وكذلك ادعى المحاملي في المجموع أيضا ، وكذلك قال الإمام في الأدقة ، وقال المحاملي : وقد ذكر في حرملة - كلاما يؤدي إلى أنها جنس واحد وليس بشيء ، قال الرافعي : وفي الأدقة حكاية قول الإمام في حرملة أنها جنس واحد ، وكلام المحاملي يقتضي أن ذلك ليس مصرحا به ، فلا يجزم بإثباته . والظاهر أنه اطلع على ذلك الكلام ، وتأمل معناه ، وأن الرافعي - رحمه الله تعالى - نقل ذلك عن غيره ، فينبغي التوقف في إثبات ذلك قولا وكيفما قدر فالمذهب المشهور الذي قطع به كثيرون خلافه فعلى المشهور في أنها أجناس فيباع دقيق الحنطة بدقيق الشعير متساويا ومتفاضلا يدا بيد ، ولا فرق بين أن يكون رطبا أو يابسا بيابس لأن أكثر ما فيه وجود التفاضل ، وهو جائز ، وإن ثبت القول الآخر أنها جنس واحد ، فإن الحكم في ذلك كالحكم في بيع دقيق الحنطة بدقيقها ، وخبزها بخبزها ، وسيأتي حكمها في الفصل العاشر بعد هذا الفصل إن شاء الله تعالى [ ص: 167 ] وقال الإمام : إن الطريقة الجازمة بأن الأدقة أجناس هي الطريقة المرضية . وإنه لا يتم غرض الذي خرجها على القولين في اللحمان إلا بالفرق بينهما وبين الأدقة فنقول : الدقيق عين أجزاء الحب ولكنها مجموعة فتفرقت ، والدهن المعتصر وإن كان في أصله ولكنه في ظن الناس كالشيء المحصل جديدا وقد تجد في كلام الفقهاء إطلاق القول بأنه لا يجوز بيع الخبز بالخبز ، كالمراد به ما إذا كان من جنس واحد كما سيأتي إن شاء الله تعالى .

( وأما ) الأدهان فالقول الجملي فيها أنها أجناس على المشهور .

وحكى الخراسانيون مع ذلك قولا أنها جنس واحد ، والعراقيون حكوا ذلك عن تخريج بعض الأصحاب وزيفوه ( وأما ) القول التفصيلي فقد قسمها الأصحاب أربعة أقسام دهن يعد للأكل ودهن يعد للدواء ، ودهن يعد للطيب ، ودهن لا يعد للأكل ولا للدواء ولا للطيب ، فالأول المعد للأكل كدهن الجوز واللوز والحلو والشيرج والزيت والسمن ودهن الصنوبر والبطم والخردل والحبة الخضراء ، فلا خلاف في أنها ربوية ، والمشهور أنها أجناس كما تقدم . وحكى الشيخ أبو حامد وغيره أن من الأصحاب من قال : فيها وفي الخلول قولان كما في اللحمان ، وحكى الماوردي ذلك عن ابن أبي هريرة ، وقد رأيت في تعليق الطبري عن ابن أبي هريرة أن ذلك على قولين أعني الأدهان . قال الشيخ أبو حامد : وذهب سائر أصحابنا إلى فساد هذا التخريج ، وسيأتي الفرق في مسألة اللحمان إن شاء الله تعالى .

( إذا ثبت ذلك ) فإن باع شيئا من جنسه جاز بشرط رعاية الحلول والتماثل والتقابض لا خلاف في شيء من ذلك إلا الشيرج ، فقال ابن أبي هريرة : لا يجوز بيع بعضه ببعض ، لما فيه من الملح والماء ، ونقل القاضي أبو الطيب ذلك أيضا عن أبي إسحاق وستأتي هذه المسألة في كلام المصنف إن شاء الله تعالى ، وسيأتي أيضا في زيت الزيتون وزيت الفجل خلاف . وممن أثبت القولين في تجانس الأدهان المحاملي في اللباب ، وكذلك هو في الرونق المنسوب لأبي حامد .

[ ص: 168 ] الضرب الثاني ) ما يقصد للدواء كدهن الخروع واللوز والمر ونوى المشمش ونوى الخوخ ، وعد من ذلك أبو حامد الحبة الخضراء وأبو الطيب الخردل ، فهذا ربوي كالسقمونيا وغيره من الأدوية ، وحكم هذا الضرب في كونه أجناسا حكم الضرب الأول .

فإن باع شيئا منه بجنسه حرمت المفاضلة ، وإن باعه بغير جنسه حلت المفاضلة وحرم النساء ، ومقتضى ما نذكره قريبا من كلام الماوردي جريان خلاف في هذا الضرب في كونه ربويا وهو مردود لأن الشافعي - رحمه الله - نص صريحا في باب ما يكون رطبا أبدا قال فيه : ودهن كل شجر يؤكل أو يشرب بعد الذي وصفت واحد لا يحل في شيء منه الفضل بعضه على بعض ، وإذا اختلف الصنفان منه حل الفضل يدا بيد ، ولم يجز نسيئة ، ولا بأس بدهن الحب الأخضر بدهن الشيرج متفاضلا يدا بيد ، ولا خير فيه نسيئة ، والأدهان التي تشرب للدواء عندي في مرتبة هذه الصفة ، دهن الخروع ودهن اللوز والمر ، وغيره من الأدهان .

( الضرب الثالث ) ما يقصد منه الطيب كدهن الورد والياسمين والبنفسج والنيلوفر والخيري والزئبق ، فهذا كله جنس واحد على الصحيح المنصوص لأن أصل الجميع السمسم .

وقال الماوردي : إنه لا يختلف المذهب فيه وفيه وجه مشهور أنه لا ربا في هذا النوع ، لأنه ليس بمأكول ، وقد تقدم في ذلك كلام المصنف - رحمه الله - الذي شرحه النووي - رحمه الله - أول الباب ، وإنما أعدنا ذلك هنا لاستيفاء الكلام فيه ، ورد هذا الوجه بأنه مأكول وإنما لا يعتاد أكله لعزته فلا يزول عنه حكم الربا كالزعفران ، هو مطعوم وإن كان يقصد للصبغ والطيب فيباع دهن الورد بدهن البنفسج متماثلا ، وكذلك دهن الورد بدهن الورد ونقل ابن المنذر عن أبي ثور أنه يجعل ذلك أصنافا ويجيز التفاضل في بيع بعضها ببعض . قال : وبه قال مالك .

قال الأصحاب : وإنما جاز بيع هذه الأدهان بعضها ببعض لأنه ليس هاهنا مع الدهن شيء وإنما الورد يرتب به السمسم فيفرش السمسم ويطرح عليه ذلك حتى يجف ثم يطرح عليه مرة ، وعلى هذا أبدا حتى يطيب ثم يستخرج منه الدهن فلا يكون مع الدهن غيره فإن فرض أن الدهن مستخرج أولا ثم يطرح أوراقها فيه حتى يطيب أو يطبخ مع الورد لم يجز [ ص: 169 ] بيع بعضه ببعض ، كما سيأتي عند الكلام على بيع الشيرج بالشيرج ، وبه جزم القاضي حسين وصاحب التهذيب والروياني ولك أن تقول : هذا يظهر عند من يجعل الدهن موزونا ، أما من يجعله مكيلا فقد يقال : إن الذي يكتسبه الدهن من الأوراق لا يظهر له أثر في المكيال ، وصاحب التهذيب أطلق أن ذلك يؤثر في تماثله ، والله أعلم .

( الضرب الرابع ) ما لا يتناول أدما ولا دواء ولا هو طيب ، كدهن بذر الكتان المقصود للاستصباح ، ودهن السمك ، وقد ذكره المصنف - رحمه الله - في أول الباب فيما شرحه النووي رضي الله عنه والصحيح المشهور أنه لا ربا فيه ، قال الروياني في البحر : إن ظاهر المذهب أنه ربوي لأنه يؤكل ويشرب طريا ، ويقلى به السمك ، والشافعي رضي الله عنه قال في الأم : إن ما كان من هذه الأدهان لا يؤكل ولا يشرب بحال أبدا لدواء ولا غيره ، فهو خارج من الربا ، ولم يذكر مثالا فبقي تحقيق مناط أن هذا هل يؤكل أو لا يؤكل ؟ وذكر الروياني أن اختيار القاضي الطبري أنه ربوي وعلله في المذهب بأن دهن السمك يأكله الملاحون ، ودهن بذر الكتان يؤكل أول ما يستخرج ثم يتغير بمرور الزمان عليه . فهذه أقسام الدهن ، والماوردي - رحمه الله - سلك طريقا آخر فجعلها أربعة أضرب : ( أحدها ) مأكولة مستخرجة من أصل مأكول ، كالذي ذكرناه في القسم الأول ففيها الربا اعتبارا بأنفسها وأصولها ( الثاني ) ما استخرج من غير مأكول ، وهو في نفسه غير مأكول كدهن المحلب والبان والكافور فلا ربا فيها ( الثالث ) ما هي في نفسها غير مأكولة عرفا كدهن الورد والخيري والياسمين لكنها مستخرجة من أصل مأكول وهو السمسم ، ففي ثبوت الربا فيها وجهان .

وكذلك دهن السمسم . وأما دهن البذر والقرطم قال : فقد اختلف أصحابنا في أصولها ، هل هي مأكولة يثبت الربا فيها أم لا ؟ على وجهين ( فإن قلنا ) فيها الربا ففي أدهانها وجهان لأنها من أصل مأكول [ ص: 170 ] الرابع ) ما استخرجت من أصول غير مأكولة لكنها بعد استخراجها دهنا مأكولا كدهن الخروع والقرع ; ففي ثبوت الربا فيها وجهان نظرا إلى أنفسها وأصولها ( قلت ) قوله : في القرع سبقه إليه الصيمري ، ويعني به القرع نفسه فإنه مأكول . وقول المصنف رحمه الله : دهن اللوز يحتمل أن يكون مراده الحلو فيكونان جميعا من القسم الأول ولا خلاف في أنه ربوي ، ويحتمل أن يكون مراده مطلقا فيندرج فيه المر ، وقد أشعر كلام الماوردي كما نبهت عليه آنفا بجريان خلاف فيه ، حيث ذكر ذلك في دهن الخروع المأكول للتداوي المتخذ من أصل غير مأكول ، وإذا لم يكن ربويا لا يكون مما نحن فيه ، والله أعلم .

وهذه جملة من كلام الشافعي في الأم في الأدهان .

قال بعد أن ذكر ما نحكيه عنه في زيت الفجل وزيت الزيتون وكذلك دهن الورد والحبوب كلها : كل دهن منه مخالف دهن غيره ، ودهن الصنوبر ودهن الحب الأخضر ودهن الخردل ودهن السمسم ودهن اللوز ودهن الجوز ، فكل دهن من هذه الأدهان خرج من حبة أو ثمرة فاختلف ما يخرج من تلك الثمرة أو تلك الحبة أو تلك العجمة فهو صنف واحد ولا يجوز إلا مثلا بمثل ويدا بيد ، وكل صنف منه خرج من حبه أو ثمره أو عجمه فلا بأس به في غير صنفه الواحد منه بالاثنين ما لم يكن نسيئة ، ثم قال : فإذا كان ما خرج منه واحدا فهو صنف ، وإذا خرج من أصلين مفترقين فهما صنفان يفترقان كالحنطة والتمر ، فعلى هذا جميع الأدهان المأكولة والمشروبة للغذاء والتلذذ لا يختلف الحكم فيها ، كهو في التمر والحنطة سواء . هذا لفظ الشافعي رضي الله عنه بحروفه

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث