الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( وهل تجوز للأغنياء ؟ فيه قولان : ( أحدهما ) لا يجوز وهو اختيار المزني ، لأن الرخصة وردت في حق الفقراء ، والأغنياء لا يشاركونهم في الحاجة ، فبقي في حقهم على الحظر [ ص: 348 ] والثاني ) أنه يجوز لما روى سهل بن أبي حثمة قال : " { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع التمر بالتمر إلا أنه رخص في العرايا أن تبتاع بخرصها تمرا يأكلها رطبا } ولم يفرق ، ولأن كل بيع جاز للفقراء جاز للأغنياء كسائر البيوع ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث سهل هذا رواه البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى وغيرهما ، ولفظ البخاري " { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع التمر بالتمر ، ورخص في بيع العرية أن تباع بخرصها يأكلها أهلها رطبا } ولفظ مسلم قريب منه ، وفي رواية الترمذي زيادة : { وعن بيع العنب بالزبيب ، وعن كل تمر بخرصه } فبعد قوله : العرايا . واللفظ الذي ذكره المصنف لفظ رواية الشافعي ، كذلك رويناه عنه في السنن من رواية المزني ، وفي المسند من رواية الربيع ، في السنن ( العرايا ) وفي المسند ( العرية ) وفيهما ( يأكلها أهلها رطبا ) والأهل الذين يأكلونها رطبا هم المشترون بلا شك ، وفي رواية البخاري الأخرى : ( يبيعها أهلها ) فجعل الأهل بائعين ، ويصح إطلاق الأهل على كل منهما على البائع قبل البيع ، وعلى المشتري بعده ، لكن قوله : ( يأكلونها رطبا ) لا يصح أن يعود على الأهل البائعين ، لأنهم لا يأكلونها رطبا ، بل يأخذون الثمن ، فهو عائد على معلوم في النفس ، وإن لم يجر له ذكر ، أي يأكلها الذين يبتاعونها رطبا . وقد يتعسف متعسف فيجعل الأهل في قوله : يبيعها أهلها منصوبا ويكونوا مشترين لا بائعين ، أي يبيعها من أهلها ، ويصح عود الضمير عليه بعد ذلك إن كان ( باع ) لا يتعدى إلى مفعولين بنفسه ، والله أعلم .

والخرص بالكسر تقدم التنبيه عليه . أما حكم المسألة : ففيها طريقان ( أصحهما ) القطع بعموم الرخصة للأغنياء والفقراء ، وهذه الطريقة مقتضى كلام أبي حامد والمحاملي كما ستعرفه ونسبها الماوردي إلى جمهور الأصحاب ، وهي الظاهر من كلام الشافعي .

( والثانية ) فيها قولان ، وهي التي أوردها القاضي أبو الطيب والمصنف والعمراني والبغوي والرافعي وآخرون ، وحكاهما الفوراني وجهين [ ص: 349 ] أحدهما ) يختص بالفقراء ولا يجوز للأغنياء ، وهو اختيار المزني ، والمشهور عن أحمد ، كما ذكره المصنف ، وهذا نظر إلى حديث محمود وقد تقدم أنه ليس في الكتب المشهورة لكني وجدت على حاشية نسخة شيخنا الدمياطي من المهذب إشارة بخط غيره تقتضي نسبة ذاك إلى مسند أحمد ، فعلى هذا الأغنياء يشاركونهم في ذلك ، فيبقى على الأصل من تحريم المزابنة المجمع عليه ، الثابت بالأحاديث المشهورة ولم أر هذا القول منصوصا للشافعي ، ولكن المزني في المختصر قال : اختلف ما وصف الشافعي في العرايا . قال الشيخ أبو حامد : إنه يشير بذلك إلى أن الشافعي قال في موضع آخر : يختص بذلك المحتاجون . قال الشيخ أبو حامد : وليس الأمر على ما قدره ، وإنما الشافعي تكلم على بطلان قول مالك حيث قال ذلك في الواهب يشتري الرطب من الموهوب له بالتمر ، فقال : لا يمكنك على هذا استعمال قوله في الخبر : " يأكلها أهلها رطبا " لأن من يشتري الرطب على هذا الوجه لا يشتريه ليأكله مع الناس ، فإن جميع بستانه الرطب وإنما يشتريه ليدفع عن نفسه المضرة بدخول الموهوب له عليه وعلى عياله ، والخبر يقتضي أنه يشتريه ليأكله مع الناس ، فقصد هذا دون تخصيص أهل الحاجة باتباع ذلك ، ومنع الأغنياء منه . وهذا الذي قاله الشيخ أبو حامد صحيح ، ويؤيده أن المزني نقل ذلك عن اختلاف الحديث والإملاء ، والذي فيهما ما ذكر دون القول بالمنع ، فينبغي أن يقطع بقول الجواز ، ولا يعزى للشافعي غيره ، ويجعل قول المنع مذهبا للمزني والله أعلم وهو مقتضى كلام أبي حامد والمحاملي ونبه المصنف بقوله : الأغنياء لا يشاركونهم في الحاجة ، على امتناع القياس لعدم المشاركة في العلة ، لا لأجل كون ذلك واردا على سبيل الرخصة ، فإن مذهبنا جواز القياس في الرخص إذا حصل الاشتراك في العلة كغيرها ، وسيأتي في توجيه القول الثاني ما يظهر به الجواب عما قاله المزني ، وقد تلقنه الشيخ أبو محمد عن الأصحاب فصحح هذا القول ونظر فيه إلى حديث محمود بن لبيد عن زيد ، مع أصل سنذكره عنه وجوابه إن شاء الله تعالى .

[ ص: 350 ] والقول الثاني ) يجوز وهو ظاهر المذهب ، والمنصوص في الأم ، قال الشافعي في الأم : والذي أذهب له أن لا بأس أن يبتاع الرطب للعرايا فيما دون خمسة أوسق ، وإن كان مؤبرا ، وصححه جماعة منهم الإمام والرافعي والنووي وابن أبي عصرون ، وقد تقدم أن جماعة جزموا به ، ومن جملتهم سليم في الكفاية وغيره لم يذكروا فيه خلافا ، وهو المختار ، ورواه إسماعيل بن سعيد عن أحمد بن حنبل لإطلاق حديث سهل بن أبي حثمة ، فإنه لم يفرق بين الفقراء والأغنياء لإرخاصه صلى الله عليه وسلم في العرايا من غير تقييد بالضرورة ، ولأنه إنما يريد الرطب شهوة ، ولو اعتبرت الضرورة لرخص في صاع ونحوه بما يزيلها وقد أبيح أكثر منه .

( فإن قلت ) إذا كانت الرخصة مطلقة في بعض الأحاديث مقيدة في بعضها ، فهلا حملتم المطلق على المقيد ؟ ، قلت : ليس ما نحن فيه من هذا القبيل ، لأن الإطلاق والتقييد من عوارض الألفاظ فإذا ورد لفظ مطلق ولفظ مقيد بقيد لفظي ، فهو الذي يحمل فيه المطلق على المقيد بشرطه ، وأما هنا فليس في لفظ الشارع ذكر قيد الحاجة ، وإنما رخص لأقوام ، وقرينة الحال ما هم عليه ، وسؤالهم يقتضي أن علة الرخصة لهم الحاجة ، فإذا ورد الترخيص مطلقا في موضع آخر لم يجب تقييدها بذلك المعنى الذي ظنناه ، وهو الحاجة ، ليس معتبرا بل كانت الرخصة لهم لأنهم أصحاب الواقعة ، وغيرهم في حكمهم ، وأما أن تكون حاجتهم اقتضت مشروعية ذلك لهم ولغيرهم ، فإن الحكم قد ثبت عاما لمعنى موجود في بعض الناس كقوله تعالى : " { ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث } والمراد إما الصحابة والعرب ; وإما النفوس الكريمة ، وعلى كل تقدير فهم بعض الأمة فما تنفر عنه طباعهم فهو الخبائث وما تميل إليه فهو الطيبات ، وغيرهم تبع لهم في ذلك . وقد يكون الحكم ثابتا لعلة توجد في الكثير قطعا ، وتعدم في القليل قطعا كالإسكار ، وقد يكون ثابتا لعلة في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ثم زالت كالرمل المشروع لإظهار الجلد والقوة قال ابن عبد السلام : وبقاء هذا [ ص: 351 ] الحكم لسبب يخلف ذلك السبب الأول ، وهو أنا نتذكر في زماننا سبب هذا الفعل ، لأن النفس طالبة للتعليل ، فنطلع على السبب الأول ، فنعلم حينئذ أن الله تعالى كثرنا بعد القلة ، وأعزنا بعد الذلة ، وأن الإسلام أظهره الله على الدين كله ، ونتذكر أحوال السلف الصالح ، وهذه فائدة جاءت استطرادا .

( فإن قلت ) لم يرد أيضا لفظ مطلق في الرخصة من الشارع حتى يتمسك به ، وإنما الألفاظ التي وردت في ذلك كلها من الرواة يذكرون أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص في العرايا ، وهذه حكاية حال لا عموم فيها ولا إطلاق ، فجاز أن يكون مرادهم بتلك الرخصة التي صدرت منه صلى الله عليه وسلم للمحاويج ، وحينئذ لا يبقى دليل على ثبوتها لغيرهم .

( قلت ) الجواب من وجهين ( أحدهما ) أن المعتمد في الأصول أن الراوي إذا حكى واقعة بلفظ عام كقوله : " نهى عن الغرر ، وقضى بالشفعة للجار " وما أشبهه أنه على العموم ، وأن الحجة في المحكي والحكاية معا خلافا لما قاله بعض المتأخرين ، فإنه لو كان المراد قصة المحاويج لم يجز حكايتها بلفظ العموم ، لأنها رخصة في عرايا خاصة لا في كل العرايا ، فلما أتى الراوي بلفظ عام وهو من أهل اللسان وجب اعتقاد أن المحكي مطابق له في العموم ( والثاني ) أن معنا هاهنا قرينة ترشد إلى أن القصة المنقولة غير قصة المحاويج ، وهو قوله : " رخص لصاحب العرية " وتلك الرخصة لم تكن لصاحب العرية ، بل للمحاويج الذين يشترون منه كما تقدمت الإشارة إليه والله أعلم .

قال الشافعي في الأم : وكثير من الفرائض قد نزلت بأسباب قوم فكان لهم وللناس عامة ، إلا ما بين الله تعالى أنه أحل لضرورة أو خاصة ، ومن جهة القياس أن كل ما جاز ابتياعه للفقير جاز للغني كسائر الأشياء ، وقد أورد الشيخ تاج الدين عبد الرحمن أن الشافعي رضي الله عنه قطع القول بالتقييد المذكور في حديث أبي هريرة من المقدار ، ولم يعتبر التقييد المذكور من السبب في حديث محمود فلا بد من التسوية أو الفرق ، ويبنى ذلك على أنه من [ ص: 352 ] باب حمل المطلق على المقيد ، وقد تقدم الجواب عنه في دعوى التقييد بالفقراء ، وأما التقييد بالمقدار فلأن ذلك منقول عن النبي صلى الله عليه وسلم فلما كان التقييد من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم حملنا المطلق عليه ، وأما التقييد بالمحاويج فليس من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم تقريره ، فهذا هو الفرق والله أعلم .

( فإن قلت ) قررت أن الراجح عند الأصوليين أن قوله : رخص في العرايا وأمثاله عام ، وإذا كان كذلك فيكون التقييد بالمقدار في حديث أبي هريرة ذكرا لبعض أفراد العموم ، وذلك لا يقتضي التخصيص ، فتبقى الرخصة على عمومها . قلت : هذا غير سؤال الإطلاق والتقييد الذي تعرض له ومع ذلك فالجواب عنه من وجهين ( أحدهما ) أن التخصيص ليس بذكر لبعض الأفراد بل بمفهوم قوله ( فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة أوسق ) والمفهوم تخصيص العموم ( والثاني ) أنا لو أبحنا العرايا في القليل والكثير لزال تحريم المزابنة ، وجميع أحاديث الرخصة تقتضي ورودها في شيء دون شيء ، ولفظ العرية ينزل على انفرادها عن سائر الأشجار ، وذلك يشعر بالقلة وليس في جميع الرطب بالتمر ، فلا بد من الرجوع إلى مقدار ، وقد ثبت ذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه فتعين الحمل عليه بخلاف تعميمها في الفقراء والأغنياء ، فلم يصدنا عنه صاد ، ولا فيه مخالفة ، بل هو أمر مقطوع به والله أعلم .

( فإن قلت ) فيجب على من يقول في الأصول بحمل المطلق على المقيد أن لا يحمله هاهنا ، وتبقى الرخصة على عمومها في القليل والكثير ( قلت ) يصد عن ذلك الوجه الثاني الذي ذكرته الآن ، وأيضا فإن المذاهب الثلاثة القائلين بالعرايا متفقون على حمل المطلق على المقيد ، هذا كله مع ما في حديث محمود بن لبيد عن زيد الذي يتمسك به في الاختصاص بالفقراء ، من عدم الاتصال الموجب لعدم الحكم عليه بالصحة ، والله أعلم .

وبنى الغزالي الخلاف في ذلك على أن الخرص أصل بنفسه ، يقام مقام الكل ، أو ليس [ ص: 353 ] كذلك ، فيتبع مورد النص ، فعلى الأول نلحق الأغنياء بهم وعلى الثاني نتردد ، وهذا كما سأذكره إن شاء الله تعالى عن الإمام في إلحاق بقية الثمار بالرطب ، والبناء على ذلك المعنى هناك متجه ، وأما هنا فبعيد ، والشيخ أبو محمد بناه في السلسلة على الأصل الذي سيحكيه عن الأصحاب من أن العرايا هل أحلت بعد تحريم المزابنة ؟ أم لم تدخل في التحريم أصلا ؟ وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى والله أعلم ( فرع ) إذا قلنا بالقول الأول فما ضابط المعنى المعتبر في ذلك ؟ لم يتعرض أكثرهم لذلك ، وقال الجرجاني لما حكى القولين : يختص ذلك بمن لا نقد بيده على القول الآخر ، وكذلك عبارة صاحب التتمة فإنه قال : بيع العرايا صحيح من الفقراء الذين لا نقد لهم ، يشترون به الرطب ، فأما الأغنياء فخلاف وقال الروياني في البحر : قال المزني : لا يجوز إلا للمعرى المضطر ، وأصحابنا لم يمنعوا الكلام في ذلك ، لأن الصحيح عندهم خلاف هذا القول ، وإنما يحتاج إلى ذلك الحنابلة فإن المشهور عندهم أنها لإطلاق الرخصة والله أعلم .

قال ابن قدامة الحنبلي : متى كان غير محتاج إلى أكل الرطب أو كان محتاجا ومعه من التمر ما يشتري به العرية لم يجز له شراؤها بالتمر .

( فرع ) لا يشترط عندنا حاجة البائع إلى البيع جزما خلافا لبعض الحنابلة ، واشترطت الحنابلة لبقاء العقد أن يأكلها أهلها رطبا ، فإن تركها حتى تصير تمرا بطل العقد ، ونحن نخالفهم في ذلك ، واشترط الخرقي من الحنابلة كونها موهوبة من بائعها ، كما تقدم عن مالك ، وقالت الحنابلة فيما إذا تركها حتى صارت تمرا : لا فرق بين تركه لغناه عنها ، أو تركها لعذر أو لغير عذر ، وأخذوا في ذلك بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم : " يأكلها أهلها رطبا " ولا دليل لهم في ذلك ، لأن المقصود بذلك ذكر الغاية المقصودة لا الاشتراط ، ويلزمهم على ما قالوه أنه متى لم يأكلها بطل العقد ، وقد سلموا أنه لا يبطل إلا بترك الأخذ ، ولا يبطل بترك الأكل بعد الأخذ فلو [ ص: 354 ] أخذها رطبا فتركها عنده أو شمسها حتى صارت تمرا جاز عندهم ، وبهذا يتبين ضعف ما اشترطوه .

( فرع ) تلخص مما قلناه أنه لا يشترط عندنا حاجة البائع جزما ولا المشتري على الأصح وعند بعض الحنابلة وعند مالك يشترط حاجة البائع وحده ، وعند أحمد يشترط حاجة المشتري وحده ، قال ابن عقيل من الحنابلة : يجوز لحاجة البائع أيضا ، كما يجوز لحاجة المشتري ، ويكون الشرط عنده أحدهما لا بعينه ، فالأقسام الممكنة الأربعة كل منها قال به قائل ، ومجموع الشروط التي وجدت صح البيع باتفاق القائلين بالعرايا لحاجة البائع والمشتري وكونها موهوبة من البائع ، وكونها دون خمسة أوسق ، وأن يأخذها المشتري رطبا ، وألا يظهر نقصان يوجب التفاوت بعد ذلك ، فإذا اجتمعت هذه الشروط الستة صح البيع باتفاق المذاهب الثلاثة القائلين بالعرايا ، وإذا وجد منها الثاني والرابع والسادس صح البيع باتفاق مذهب الشافعي رضي الله عنه ، والشرطان الأخيران لا يشترط العلم بهما حالة العقد ، بل إذا فقدا بعد ذلك فقد بينا بطلان البيع ، والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث