الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مناقب أبي بكر الصديق

[ ص: 402 ] مناقب أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-

عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: « إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر » هكذا - بالرفع- في «صحيح مسلم». وعند البخاري - بالنصب - وهو الظاهر. والحديث متفق عليه. « ولو كنت متخذا خليلا، لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام ومودته » الظاهر أنه من «الخلة» -بضم الخاء- بمعنى: الصداقة والمحبة المتخللة في باطن قلب المحب، الداعية إلى الاطلاع المحبوب على سره. أي: لو جاز لي أن أتخذ صديقا من الخلق، يتخلل محبته في باطن قلبي، يكون مطلعا على سري، لاتخذت أبا بكر خليلا، لكن ليس لي محبوب بهذه الصفة إلا الله. ويجوز أن يكون من «الخلة» -بالفتح- بمعنى: الحاجة، أي: لو اتخذت صديقا أرجع إليه في حاجاتي، وأعتمد عليه في مهماتي، لاتخذت أبا بكر، ولكن اعتمادي في جميع أموري على الله.

قال في «اللمعات»: وهذا المعنى أنسب، انتهى، وزاد في «الترجمة»: وأقرب بسياق الحديث. ولكن حكم القوم بأن المعنى الأول أوجه وأولى. انتهى.

وأقول: لا مانع من حمل الحديث على كلا المعنيين، وفيه بيان فضيلة أبي بكر، والتنصيص على كونه أمن الناس، وكونه أخا في الإسلام، وودودا فيه «لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر -بالفتح- وهي كوة تؤدي الضوء إلى البيت، وقيل: باب صغير ينصب بين بيتين أو دارين، فيدخل من أحدهما إلى الآخر. وهذا الكلام كان في مرضه الذي توفي فيه.

قال في «الترجمة»: البيوت الملاصقة بالمسجد الشريف كانت فيها خوخات يدخلون منها في المسجد، أو ينظرون هل جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المسجد أم لا، [ ص: 403 ] فأمرهم بسدها إلا هذه الخوخة؛ تكريما لأبي بكر، وتفضيلا له على غيره، قيل: فيه تعريض بخلافته -رضي الله عنه- وسد لمقالة الآخرين في هذا الباب. ولما تكلم الناس في هذا، قال: « لم أفعله من قبل نفسي، ما فعلته إلا بأمر الله »، وفي رواية: « لو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا »، وفيه إشارة إلى أن اللائق بحال العبد ألا يتخذ أحدا خليلا إلا الله، كما في الكتاب والذين آمنوا أشد حبا لله [البقرة: 165]. متفق عليه».

وفي حديث سعد بن أبي وقاص ما معناه: أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بسد الأبواب التي كانت إلى المسجد إلا باب علي -كرم الله وجهه- رواه أحمد، والنسائي، وإسناده قوي. وليس بين هذا وبين حديث الباب تعارض بحمد الله تعالى، فإن استثناء علي كان عند بناء المسجد الشريف، وكان هذا الحديث في آخر خطبة خطبها عند وفاته صلى الله عليه وسلم.

وفي حديث آخر عن ابن مسعود يرفعه: « لو كنت متخذا خليلا، لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكنه أخي وصاحبي » رواه مسلم . وزاد أحمد في روايته: « أخي في الدين، وصاحبي في الغار، وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا ». قال في «الترجمة»: فيه أن الصادق في الصحبة يترقى إلى مرتبة المحبوبية يحبهم ويحبونه ، وإنما نشأ الجذب والمحبة أولا من جانبه تعالى، وأثره الانجذاب من هذا الجانب. وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جامعا بين الحب والخلة، وكانت خلته أتم وأكمل من خلة إبراهيم -عليه السلام- قاله الغزالي . انتهى.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث