الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيع الحب بدقيقه متفاضلا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( ولا يجوز بيع الحب بدقيقه متفاضلا ، لأن الدقيق هو الحب بعينه ، وإنما فرقت أجزاؤه فهو كالدنانير الصحاح بالقراضة ، فأما بيعه به متماثلا فالمنصوص أنه لا يجوز وقال الكرابيسي : قال أبو عبد الله : يجوز فجعل أبو الطيب بن سلمة هذا قولا آخر وقال أكثر أصحابنا : لا يجوز قولا واحدا ولعل الكرابيسي أراد أبا عبد الله مالكا أو أحمد ، فإن عندهما يجوز ذلك ، والدليل على أنه لا يجوز أنه جنس فيه ربا بيع منه : ما هو على هيئة الادخار بما ليس منه على هيئة الادخار على وجه يتفاضلان في حال الادخار ، فلم يصح كبيع الرطب بالتمر ) .

التالي السابق


( الشرح الكرابيسي هو أبو علي الحسين بن علي البغدادي صاحب الشافعي في العراق ، وكان عالما في الفقه والحديث والأصول ، وله تصانيف في الجرح والتعديل وغيره ومن جملتها كتاب الرد على المدلسين [ ص: 405 ] الذي رد عليه فيه أبو جعفر الطحاوي ، وقد وقفت على كلام أبي جعفر ، توفي الكرابيسي سنة خمس وأربعين وقيل ثمان وأربعين ومائتين وهو مذكور في المهذب في باب زكاة التجارة ، وأبو الطيب محمد بن المفضل بميم في أوله ابن سلمة من كبار أصحابنا ، درس الفقه على ابن سريج ، وكان مخصوصا بفرط الذكاء والشهامة فلذلك كان أبو العباس يقبل عليه غاية الإقبال ، ويميل إلى تعليمه كل الميل ، صنف كتبا عدة مات شابا سنة ثمان وثلاثمائة وهو مذكور في المهذب في باب صلاة المسافر . وكذلك الإمام مالك رحمه الله وهو أجل من أن ينبه على شيء من أخباره ، وأحمد بن حنبل رحمه الله لم يتقدم له ذكر في المهذب فيما أظن ، وهو الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بحاء مهملة وياء آخر الحروف ابن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن ذهل بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن مضر بن معد بن عدنان . مولده سنة إحدى وستين ومائة وتوفي سنة إحدى وأربعين ومائتين وفضائله ومناقبه علما وزهدا وورعا أكثر من أن تحصى ، وأشهر من أن تذكر ، وهو معدود من أصحاب الشافعي رضي الله عنهم بالعراق .

وقال المصنف : الحب بدقيقه يشمل الحنطة والشعير وغيرهما ، وفيه احتراز عن بيعه بدقيق غيره ، كبيع الحنطة بدقيق الشعير والشعير بدقيق الحنطة ، وما أشبه ذلك ، فإنه جائز متماثلا ومتفاضلا على القول الصحيح المشهور الذي قطع به قاطعون أن الأدقة أجناس ، والمقصود بيع القمح بدقيق القمح ، أو بيع الشعير بدقيق الشعير ، وما أشبه ذلك وفي ذلك مسألتان : [ ص: 406 ] إحداهما ) أن يباع متفاضلا وهذا لا يجوز عندنا ، وعند أكثر العلماء ونقل الشيخ أبو حامد وأبو الطيب وغيرهما عن أبي ثور جوازه ، واحتج بأنهما جنسان لاختلاف الاسم ونقض الأصحاب عليه باللحم بالحيوان وكثير من المطعومات وفيه نظر من الضابط الذي مهدوه في اختلاف الجنس واتحاده وهو مذهب أبي ثور في ذلك موافق لمذهب داود وإنه ذهب هو وأصحابه إلى جواز ذلك وعمم فقال : يجوز بيع القمح بدقيقه وسويقه وخبزه ، وبيع الدقيق بالدقيق والسويق ، والخبز والسويق بالسويق وبالخبز ، والخبز بالخبز متفاضلا ومتماثلا قال الشافعي رضي الله عنه في المختصر : ( ولا يجوز بيع الدقيق بالحنطة مثلا بمثل من قبل أنه يكون متفاضلا في نحو ذلك ) وكذلك نقله الإمام عن المزني في المنثور مع نقله فيه جواز بيع الدقيق بالدقيق كما سيأتي إن شاء الله تعالى .

وقال في مختصر البويطي : ولا يجوز أن يؤخذ دقيق بقمح ، وقال الشيخ أبو حامد : وهو الصحيح من المذهب وبه قال الحسن البصري ومكحول ، وهشام وحماد بن أبي سليمان والثوري وأبو حنيفة وأصحابه ، وذهب مالك في المشهور عنه إلى أنه يجوز كيلا بكيل وبه قال قتادة وربيعة وإبراهيم النخعي وابن سيرين وابن شبرمة والليث بن سعد ، وذهب الأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه إلى أنه يجوز وزنا بوزن والأكثرون على الامتناع من إثبات ما حكاه الكرابيسي قولا للشافعي منهم الشيخ أبو حامد والعبدري قال العبدري : الصحيح أنه لا يحفظ عن الشافعي إلا المنع . قال الشيخ أبو حامد : لا يختلف المذهب في أن ذلك لا يجوز ، وقال القاضي أبو الطيب : لا يحفظ للشافعي في كتبه غير ذلك ، وكذلك في تعليق الطبري عن ابن أبي هريرة أنه خطأ لا يحفظ عن الشافعي ، وغير من سمينا يقول ذلك . قال هؤلاء : ولعله أراد بأبي عبد الله مالكا وأحمد لما سنحكيه من مذهبهما وجماعة من الأصحاب سكتوا عنه لم يحكوا فيه خلافا ، منهم الفوراني ، وقال الروياني : قال أكثر أصحابنا : المسألة على قول واحد أنه لا يجوز ، ولم يوجد في شيء من كتبه جوازه ، ومنهم من ذهب إلى إثباته قولا للشافعي ، [ ص: 407 ] وبه قال أبو الطيب بن سلمة فيما حكاه أكثر الأصحاب ، وابن الوكيل فيما حكاه المحاملي والقفال ، فإنه قال في شرح التخليص بعد قول صاحب التلخيص : فإن كانا مطحونين أو أحدهما لم يجز ، قال القفال : وقال في القديم : يجوز ، والمشهور من مذهبه أنه لا يجوز ، فاستفدنا من ذلك أن القفال من المعترفين بإثبات هذا القول ، وإن لم ينسبه للكرابيسي والكرابيسي من رواة القديم ، ووجهوه بما سنذكره من حجة المالكية .

قال الرافعي : وعلى هذا فالمعيار الكيل ، وقد اختار أبو بكر بن المنذر في كتابه الإشراف منع بيع الحنطة بالدقيق متفاضلا ، وجوازه مثلا بمثل قال : ولا أعلم حجة تمنع من بيعه مثلا وجعل الإمام منقول الكرابيسي شيئا آخر وهو أن الدقيق والحنطة جنسان حتى يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا لاختلاف الصفة والاسم والمنفعة ، قال الرافعي : ويشبه أن يكون هو منفردا بهذه الرواية يعني الإمام ( قلت ) وليس منفردا بها ، بل حكاها الماوردي في الحاوي كذلك ، وسوى بينهما وبين قول أبي ثور ، فاستدل الأصحاب بما ذكره المصنف قالوا : ولا فرق بين الموضعين إلا أن الرطب لم يبلغ حالة الادخار ، والدقيق زال عنها ولو قدر عود الدقيق إلى حال كونه حنطة لفاتت المماثلة ، كما أنه إذا قدر الرطب تمرا تفوت المماثلة . قال الأصحاب حالة كمال الحب كونه حبا فإنه يصلح للبذر والطحن والادخار واستدلوا أيضا بأن الدقيق جنس فيه الربا زال عن حال كمال البقاء كاللحم بالحيوان ، والشيرج بالسمسم ، واحترزوا بصنعة أدنى عن المستويين واحتج من نصر قول مالك بأن الدقيق نفس الحنطة ، وإنما تفرقت أجزاؤه فأشبه بيع الدراهم الصحاح بالمكسرة ، واحتج من نصر قول الأوزاعي وأحمد بأن الطحن لا يتغير به الوزن ، وإنما يختلف به الكيل ، فإذا بيع أحدهما بالآخر وزنا كانا متساويين .

وأجاب الأصحاب عن حجة المالكية بأنه إذا كان حبا كانت أجزاؤه منضمة مجتمعة فلا يأخذ من المكيال الموضع الذي يأخذه إذا طحن وتفرقت أجزاؤه ، فمتى بيع أحدهما بالآخر كانا متفاضلين وعن حجة [ ص: 408 ] الأوزاعي وأحمد بأن المماثلة معتبرة كيلا ، فإذا قدر عودهما إلى حالة كونهما طعاما أفضى إلى التفاضل كيلا ، وهذه المسائل وما بعدها من جملة قاعدة تعرض لها الشافعي في باب بيع الآجال من الأم قال : فإذا كان شيء من الذهب أو الفضة أو المأكول أو المشروب فكان الآدميون يصنعون فيه صنعة يستخرجون بها من الأصل شيئا يقع عليه اسم دونه اسم ، فلا خير في ذلك الشيء لشيء من الأصل ، وإن كثرت الصنعة فيه كما لو أن رجلا عمد إلى دنانير فجعلها طستا أو حليا ، ما كان لم يجز بالدنانير إلا وزنا بوزن ، وكما لو أن رجلا عمد إلى تمر فحشاه في شن أو جرة أو غيرها نزع نواه أو لم ينزعه لم يصح أن يباع بالتمر وزنا بوزن ، فكذلك لا يجوز حنطة بدقيق وكذلك حنطة بسويق أو بخبز أو بفالوذج إذا كان نشاه مشتقة من حنطة وكذلك دهن سمسم بسمسم وزيت بزيتون وكذلك لا يصح التمر المنثور بالتمر المكبوس لأن أصل التمر الكيل ) ا هـ . ثم قال الشافعي رحمه الله تعالى بعد ذلك بكثير : وكذلك لا خير في تمر قد عصر وأخرج صفوه بتمر لم يخرج صفوه كيلا بكيل من قبل أنه قد أخرج منه شيء من نفسه ، وإذا لم يغيره عن خلقته فلا بأس به . وقد روي عن مجاهد بإسناد حسن قال : لا بأس بالحنطة بالسويق والدقيق بالحنطة والسويق ، وعن الشعبي أنه سئل عن السويق بالحنطة فقال : إن لم يكن ربا فهو ريبة ومما احتج به في منعهم القمح بالدقيق القياس على بيع اللحم بالحيوان وهذا إنما يتم إذا جعلنا امتناع بيع اللحم بالحيوان معللا ، أما إذا جعلنا طريق ذلك الاتباع والبعد فيمتنع الإلحاق .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث