الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( وإن باع نخلا وعليها طلع غير مؤبر دخل في بيع النخل ، وإن كان مؤبرا لم يدخل ، لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من باع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع [ ص: 23 ] إلا أن يشترطها المبتاع } " فجعلها للبائع بشرط أن تكون مؤبرة ، فدل على أنها إذا لم تكن مؤبرة فهي للمبتاع ; ولأن ثمرة النخل كالحمل ; لأنه نماء كامن لظهوره غاية كالحمل ، ثم الحمل الكامن يتبع الأصل في البيع ، والحمل الظاهر لا يتبع فكذلك الثمرة . قال الشافعي رحمه الله : وما شقق في معنى ما أبر ; لأنه نماء ظاهر فهو كالمؤبر ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث ابن عمر رضي الله عنه رواه البخاري ومسلم رحمهما الله ولفظهما : " { من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع } " وفي لفظ لمسلم : " من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر " وفي لفظ آخر له : " { أيما نخل اشتري أصولها وقد أبرت فإن ثمرتها للذي أبرها إلا أن يشترط الذي اشتراها } " وفي لفظ له أيضا " { أيما امرئ أبر نخلا ثم باع أصلها فللذي أبر ثمر النخل إلا أن يشترط المبتاع } " ورواه الشافعي عن ابن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه ، وهذا من أصح الأسانيد وأحسنها ، كله أئمة علماء ، ولفظه كلفظ المصنف لكنه قال : أن يشترط المبتاع بغير هاء ، وكذلك في بقية الحديث من طريق سالم ، ومن باع عبدا وله مال فالمال للبائع إلا أن يشترط المبتاع ، وجماعة الحفاظ يقولون هكذا بغير هاء في الموضعين هكذا قال ابن عبد البر ، ونبه على أن المعنى : إلا أن يشترط المبتاع سائر ذلك ، فيدل على صحة اشتراط نصف الثمر أو جزء منها وكذلك في مال العبد ، وهو قول جمهور الفقهاء ، وسأتعرض لهذا في فرع آخر الكلام إن شاء الله تعالى والغرض التنبيه على إسقاط الهاء من لفظ الحديث ، ولم أقف عليها في شيء من طرق الحديث ، وقول المصنف : نماء احتراز من الكنز والحجارة المدفونة والبذور .

( وقوله ) كامن احتراز من الزرع ; لأنه ظاهر من غير المؤبر كذلك ، ومن التين والعنب ونحوه ( وقوله : ) لظهوره غاية ، احتراز من الجوز واللوز والرمان والرانج ; لأنه لا غاية لخروجه من قشره . وإنما يظهر بكسره ، فالرمان والموز للبائع قولا واحدا ، والجوز واللوز والرانج له على الصحيح المنصوص ، فالثمرة المقصودة من دون الأشياء لا تظهر إلا عند الأكل ، فهذا في معنى قولنا ليس لظهوره غاية ، وقد ورد في بعض الروايات : من باع ، وفي بعضها : من اشترى ، وكلها صحيح [ ص: 24 ] سندا ومعنى . قال ابن عبد البر : لا يختلف أهل العلم بالحديث في صحة هذا الحديث وهو عند جميعهم ثابت صحيح ( وقوله : ) أبرت يجوز تشديده وتخفيفه ، يقال أبر النخل مخففا يأبرها أبرا ، والتأبير هو التلقيح وهو أن ينتظر النخلة حتى إذا انشق طلعها وظهر ما في بطنه وضع فيه شيء من طلع الفحال ، وقال بعضهم : هو أن تشقق ويؤخذ شيء من طلع الذكر فيدخل بين ظهراني طلع الإناث فيكون ذلك بإذن الله تعالى صلاحا لها ، وهذه ( هي ) العبارة المحررة وقد يؤخذ سعف الفحال فيضرب في ناحية من نواحي البستان عند هبوب الرياح ، فيحمل الريح أجزاء الفحال إلى سائر النخل ، فيمنعه التساقط ، وفي عبارة جماعة ما يوهم أن التشقق داخل في مسمى التأبير ، وسنبين لك فيما سيأتي أنه ليس الأمر كذلك .

( أما الأحكام ) فبيع الشجر ، إن كان بشرط القطع جاز مطلقا ، رطبا ويابسا ، وإن كان بشرط القلع فإطلاق الأكثرين يقتضي الجواز أيضا ، وقال الصيمري : إن كان كالفجل لم يجز ; لأن أسفله غائب ، وإن كان كشجر العصفر وما حفر من التراب جاز ; لأن الغائب منه غير مقصود ، وأطلق الصيمري ذلك من غير تفصيل بين الرطب واليابس ، وغيره صرح بجواز شرط القلع ويجعل المجهول تبعا ، وإن باع بشرط التبقية ، فإن كانت الشجرة رطبة وليس الكلام فيما يشترط فيه القطع من الباب ، وإن كانت يابسة قال المتولي : فسد البيع ، وإن أطلق فالمشهور الجواز ، وعلى مقتضى قول الصيمري حيث لا يجوز شرط القطع ينبغي الحكم بالفساد إذا عرف ذلك فقال الأصحاب : يندرج في مطلق بيع الشجرة أغصانها ; لأنها معدودة من أجزاء الشجرة ، فإن كان الغصن يابسا والشجرة رطبة فالمشهور لا يدخل ; لأن العادة فيه القطع كما في الثمار قال في التهذيب : ويحتمل أن يدخل كالصوف على ظهر الغنم ، قال ابن الرفعة : أي إذا بيعت وقد استحق الجز ويدخل العرق أيضا في مطلق بيع الشجرة ، وكذا الأوراق ، وفي ورق التوت ونحوه خلاف [ ص: 25 ] سيأتي تفصيله في كلام المصنف ، وفي أغصان الخلاف التي تقطع أغصانه ويترك ساقه ، فإذا باع شجرته فالأغصان لا تدخل في العقد .

( أما ) الخلاف الذي يقطع في كل سنة من وجه الأرض فهو كالقصب ما ظهر منه للبائع ، وفي أصوله الخلاف الذي في أصول البقل قال ذلك القاضي حسين ، وعن الإمام أنه قال هنا : إنها تدخل أغصانها في البيع بلا خلاف ، وفي كتاب الرهن حكى فيها خلافا وفي كتاب الوقف قال : إنها بمنزلة الثمرة فتلخص أن الخلاف نوعان : ( نوع ) يقطع كل سنة من وجه الأرض فهو كالقصب ( ونوع ) يبقى وتقطع أغصانه ، ففي دخول أغصانه في بيعه خلاف ( الأصح ) الدخول ; لأنها جزء منه ، ولا يدخل في بيع الشجرة الكرم الذي عليها ، قاله القاضي حسين في الفتاوى ، ولو كانت الشجرة يابسة ثابتة فعلى المشتري تفريغ الأرض عنها للعادة ، ولا يدخل مغرسها في العقد وجها واحدا قاله القاضي حسين ، وحكمها حكم سائر المنقولات ، ولا يشترط فيه القطع قاله القاضي حسين قال في التتمة : فلو شرط إبقاءها فسد البيع كما لو اشترى الثمرة بعد التأبير ، وشرط عدم القطع عند الجذاذ ، ولو باعها بشرط القطع جاز وتدخل العروق في البيع عند شرط القطع ، وإن كانت مجهولة تبعا ، كذا قاله ، وقال الصيمري : لا يجوز بيع النخلة بشرط القلع ; لأن أسفلها غائب ، ولا يدخل عند شرط القطع ، بل تقطع عن وجه الأرض

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث