الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب قول الله تعالى ذكر رحمة ربك عبده زكرياء إذ نادى ربه نداء خفيا

جزء التالي صفحة
السابق

باب قول الله تعالى ذكر رحمة ربك عبده زكرياء إذ نادى ربه نداء خفيا قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا إلى قوله لم نجعل له من قبل سميا قال ابن عباس مثلا يقال رضيا مرضيا عتيا عصيا عتا يعتو قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا إلى قوله ثلاث ليال سويا ويقال صحيحا فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا فأوحى فأشار يا يحيى خذ الكتاب بقوة إلى قوله ويوم يبعث حيا حفيا لطيفا عاقرا الذكر والأنثى سواء

3247 حدثنا هدبة بن خالد حدثنا همام بن يحيى حدثنا قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسري به ثم صعد حتى أتى السماء الثانية فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم فلما خلصت فإذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة قال هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما فسلمت فردا ثم قالا مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح

التالي السابق


قوله : ( باب واضرب لهم مثلا أصحاب القرية الآية : فعززنا ، قال مجاهد : شددنا ، وقال ابن عباس طائركم : مصائبكم ) أما قول مجاهد فوصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عنه بهذا ، وأما قول ابن عباس فوصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه به . والقرية المراد بها أنطاكية فيما ذكر ابن إسحاق ووهب في " المبتدإ " ولعلها كانت مدينة بالقرب من هذه الموجودة ، لأن الله أخبر أنه أهلك أهلها . وليس لذلك أثر في هذه المدينة الموجودة الآن ، ولم يذكر المصنف في ذلك حديثا مرفوعا ، وقد روى الطبراني من حديث ابن عباس مرفوعا السبق ثلاثة يوشع إلى موسى ، وصاحب يس إلى عيسى ، وعلي إلى محمد صلى الله عليه وسلم وفي إسناده حسين بن حسين الأشقر وهو ضعيف فإن ثبت دل على أن القصة كانت في زمن عيسى أو بعده ، وصنيع المصنف يقتضي أنها قبل عيسى . وروى ابن إسحاق في " المبتدإ " عن أبي طوالة عن كعب الأحبار أن اسم صاحب يس حبيب النجار ، وروى الثوري في تفسيره عن عاصم عن أبي مجلز قال : كان اسمه حبيب بن بري ، وعن حبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس : هو حبيب النجار ، وعن السدي كان قصارا ، وقيل كان إسكافا . قال ابن إسحاق واسم الرسل الثلاثة صادق وصدوق وشلوم ، وقال ابن جريج عن وهب بن سليمان عن شعيب الجبئي بالجيم والموحدة والهمز بلا مد : كان اسم الرسولين شمعون ويوحنا ، واسم الثالث بولص . وعن قتادة : كانوا رسلا من قبل المسيح . والله أعلم .

[ ص: 539 ] قوله : ( باب قول الله تعالى : ذكر رحمة ربك عبده زكريا - إلى قوله - لم نجعل له من قبل سميا ) في زكريا أربع لغات : المد والقصر وحذف الألف مع تخفيف الياء وفيه تشديدها أيضا وحذفها ، وقال الجوهري : لا يصرف مع المد والقصر .

قوله : ( قال ابن عباس : مثلا ) وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى : هل تعلم له سميا يقول : هل تعلم له مثلا أو شبها ، ومن طريق سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس في قوله : لم نجعل له من قبل سميا قال : لم يسم يحيى قبله غيره ، وأخرجه الحاكم في " المستدرك " .

قوله : ( يقال رضيا : مرضيا ) حكاه الطبري قال : مرضيا ترضاه أنت وعبادك .

قوله : ( عتيا عصيا ، عتا يعتو ) كذا فيه بالصاد المهملة والصواب بالسين ، وروى الطبري بإسناد صحيح عن ابن عباس قال : " ما أدري أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ عتيا أو عسيا " وقال أبو عبيدة في قوله تعالى : وقد بلغت من الكبر عتيا : كل مبالغ من كبر أو كفر أو فساد فقد عتا يعتو عتيا .

قوله : ( ثلاث ليال سويا ويقال صحيحا ) هو قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أخرجه ابن أبي حاتم عنه قال في قوله : ثلاث ليال سويا وأنت صحيح ، فحبس لسانه فكان لا يستطيع أن يتكلم وهو يقرأ التوراة ويسبح ولا يستطيع أن يكلم الناس ، أخرجه ابن أبي حاتم من طريقه ، وأخرج من طريق أبي عبد الرحمن السلمي قال : اعتقل لسانه من غير مرض .

قوله : ( فأوحى : فأشار ) هو قول محمد بن كعب ومجاهد وغير واحد أخرجه ابن أبي حاتم عنهم .

[ ص: 540 ] قوله : ( حفيا : لطيفا ) هو قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه ، وقال أبو عبيدة في قوله : إنه كان بي حفيا أي محتفيا ، يقال تحفيت بفلان .

قوله : ( عاقرا الذكر والأنثى سواء ) قال أبو عبيدة العاقر التي لا تلد ، والعاقر الذي لا يلد ، قال عامر بن الطفيل :


لبئس الفتى إن كان أعور عاقرا جبانا فما عذري لدى كل محضر



وقال أيضا : لفظ الذكر فيه مثل لفظ الأنثى . قال الثعلبي . ولد يحيى وعمر زكريا مائة وعشرين سنة وقيل تسعين وقيل اثنين وتسعين وقيل مائة إلا سنتين ، وقيل إلا سنة .

ثم أورد المصنف طرفا من حديث الإسراء من رواية أنس عن مالك بن صعصعة والغرض منه ذكر يحيى بن زكريا ، وقال فيه وفي عيسى ابن مريم إنهما ابنا خالة وزكريا هو ابن أدن ويقال ابن شبوي ويقال ابن بارخيا ويقال ابن أبي ابن بارخيا ، ومريم بنت عمران بن ناشي ، وهما من ذرية سليمان بن داود عليهما السلام ، واسم أم مريم حنة بمهملة ونون بنت فاقود واسم أختها والدة يحيى إيشاع قال ابن إسحاق في " المبتدإ " كانت حنة عند عمران وأختها عند زكريا وكانت حنة أمسك عنها الولد ثم حملت بمريم فمات عمران وهي حامل . وروى ابن أبي حاتم من طريق عبد الرحمن بن القاسم : سمعت مالك بن أنس يقول : بلغني أن عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا كان حملهما جميعا ، فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم : إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك ، قال مالك : أراه لفضل عيسى على يحيى . وقال الثعلبي : ولد يحيى قبل عيسى بستة أشهر .

واختلف في قوله : وآتيناه الحكم صبيا فقيل نبئ وهو ابن تسع سنين وقيل أقل من ذلك ، والمراد بالحكم الفهم في الدين ، قال ابن إسحاق : كان زكريا وابنه آخر من بعث من بني إسرائيل قبل عيسى ، وقال أيضا : أراد بنو إسرائيل قتل زكريا ففر منهم ، فمر بشجرة فانفلقت له فدخل فيها فالتأمت عليه ، فأخذ الشيطان بهدبة ثوبه فرأوها فوضعوا المنشار على الشجرة فنشروها حتى قطعوه من وسطه في جوفها . وأما يحيى فقتل بسبب امرأة أراد ملكهم أن يتزوجها ، فقال له يحيى : إنها لا تحل لك لكونها كانت بنت امرأته ، فتوسلت إلى الملك حتى قتل يحيى ، قال ابن إسحاق : كان ذلك قبل أن يرفع عيسى . وروى أصل هذه القصة الحاكم في " المستدرك " من حديث عبد الله بن الزبير ، وروى أيضا من حديث ابن عباس أن دم يحيى كان يفور حتى قتل عليه بختنصر من بني إسرائيل سبعين ألفا فسكن .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث