الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب علامات النبوة في الإسلام

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

باب علامات النبوة في الإسلام

3378 حدثنا أبو الوليد حدثنا سلم بن زرير سمعت أبا رجاء قال حدثنا عمران بن حصين أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسير فأدلجوا ليلتهم حتى إذا كان وجه الصبح عرسوا فغلبتهم أعينهم حتى ارتفعت الشمس فكان أول من استيقظ من منامه أبو بكر وكان لا يوقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم من منامه حتى يستيقظ فاستيقظ عمر فقعد أبو بكر عند رأسه فجعل يكبر ويرفع صوته حتى استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم فنزل وصلى بنا الغداة فاعتزل رجل من القوم لم يصل معنا فلما انصرف قال يا فلان ما يمنعك أن تصلي معنا قال أصابتني جنابة فأمره أن يتيمم بالصعيد ثم صلى وجعلني رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركوب بين يديه وقد عطشنا عطشا شديدا فبينما نحن نسير إذا نحن بامرأة سادلة رجليها بين مزادتين فقلنا لها أين الماء فقالت إنه لا ماء فقلنا كم بين أهلك وبين الماء قالت يوم وليلة فقلنا انطلقي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت وما رسول الله فلم نملكها من أمرها حتى استقبلنا بها النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته بمثل الذي حدثتنا غير أنها حدثته أنها مؤتمة فأمر بمزادتيها فمسح في العزلاوين فشربنا عطاشا أربعين رجلا حتى روينا فملأنا كل قربة معنا وإداوة غير أنه لم نسق بعيرا وهي تكاد تنض من الملء ثم قال هاتوا ما عندكم فجمع لها من الكسر والتمر حتى أتت أهلها قالت لقيت أسحر الناس أو هو نبي كما زعموا فهدى الله ذاك الصرم بتلك المرأة فأسلمت وأسلموا [ ص: 672 ] [ ص: 673 ]

التالي السابق


[ ص: 672 ] [ ص: 673 ] قوله : ( باب علامات النبوة في الإسلام ) العلامات جمع علامة ، وعبر بها المصنف لكون ما يورده من ذلك أعم من المعجزة والكرامة ، والفرق بينهما أن المعجزة أخص لأنه يشترط فيها أن يتحدى النبي صلى الله عليه وسلم من يكذبه بأن يقول : إن فعلت كذلك أتصدق بأني صادق أو يقول من يتحداه : لا أصدقك حتى تفعل كذا . ويشترط أن يكون المتحدى به مما يعجز عنه البشر في العادة المستمرة . وقد وقع النوعان للنبي صلى الله عليه وسلم في عدة مواطن ، وسميت المعجزة لعجز من يقع عندهم ذلك عن معارضتها ، والهاء فيها للمبالغة ، أو هي صفة محذوف . وأشهر معجزات النبي صلى الله عليه وسلم القرآن لأنه صلى الله عليه وسلم تحدى به العرب - وهم أفصح الناس لسانا وأشدهم اقتدارا على الكلام - بأن يأتوا بسورة مثله فعجزوا مع شدة عداوتهم له وصدهم عنه ، حتى قال بعض العلماء : أقصر سورة في القرآن إنا أعطيناك الكوثر فكل قرآن من سورة أخرى كان قدر إنا أعطيناك الكوثر سواء كان آية أو أكثر أو بعض آية فهو داخل فيما تحداهم به ، وعلى هذا فتصل معجزات القرآن من هذه الحيثية إلى عدد كثير جدا . ووجوه إعجاز القرآن من جهة حسن تأليفه والتئام كلماته وفصاحته وإيجازه في مقام الإيجاز ، وبلاغته ظاهرة جدا مع ما انضم إلى ذلك من حسن نظمه وغرابة أسلوبه ، مع كونه على خلاف قواعد النظم والنثر ، هذا إلى ما اشتمل عليه من الإخبار بالمغيبات مما وقع من أخبار الأمم الماضية مما كان لا يعلمه إلا أفراد من أهل الكتاب ، ولم يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم اجتمع بأحد منهم ولا أخذ عنهم ، وبما سيقع فوقع على وفق ما أخبر به في زمنه صلى الله عليه وسلم وبعده ، هذا مع الهيبة التي تقع عند تلاوته والخشية التي تلحق سامعه وعدم دخول الملال والسآمة على قارئه وسامعه ، مع تيسر حفظه لمتعلميه وتسهيل سرده لتاليه ، ولا ينكر شيئا من ذلك إلا جاهل أو معاند ، ولهذا أطلق الأئمة أن معظم معجزات النبي صلى الله عليه وسلم القرآن ، ومن أظهر معجزات القرآن إبقاؤه مع استمرار الإعجاز ، وأشهر ذلك تحديه اليهود أن يتمنوا الموت فلم يقع ممن سلف منهم ولا خلف من تصدى لذلك ولا أقدم ، مع شدة عداوتهم لهذا الدين وحرصهم على إفساده والصد عنه ، فكان في ذلك أوضح معجزة . وأما ما عدا القرآن من نبع الماء من بين أصابعه وتكثير الطعام وانشقاق القمر ونطق الجماد ، فمنه ما وقع التحدي به ومنه ما وقع دالا على صدقه من غير سبق تحد ، ومجموع ذلك يفيد القطع بأنه ظهر على يده صلى الله عليه وسلم من خوارق العادات شيء كثير ، كما يقطع بوجود جود حاتم وشجاعة علي ، وإن كانت أفراد ذلك ظنية وردت مورد الآحاد مع أن كثيرا من المعجزات النبوية قد اشتهر وانتشر ورواه العدد الكثير والجم الغفير ، وأفاد الكثير منه القطع عند أهل العلم بالآثار ، والعناية بالسير والأخبار ، وإن لم يصل عند [ ص: 674 ] غيرهم إلى هذه الرتبة لعدم عنايتهم بذلك ، بل لو ادعى مدع أن غالب هذه الوقائع مفيدة للقطع بطريق نظري لما كان مستبعدا وهو أنه لا مرية أن رواة الأخبار في كل طبقة قد حدثوا بهذه الأخبار في الجملة ، ولا يحفظ عن أحد من الصحابة ولا من بعدهم مخالفة الراوي فيما حكاه من ذلك ولا الإنكار عليه فيما هنالك ، فيكون الساكت منهم كالناطق ; لأن مجموعهم محفوظ من الإغضاء على الباطل ، وعلى تقدير أن يوجد من بعضهم إنكار أو طعن على بعض من روى شيئا من ذلك فإنما هو من جهة توقف في صدق الراوي أو تهمته بكذب أو توقف في ضبطه ونسبته إلى سوء الحفظ أو جواز الغلط ، ولا يوجد من أحد منهم طعن في المروي كما وجد منهم في غير هذا الفن من الأحكام والآداب وحروف القرآن ونحو ذلك ، وقد قرر القاضي عياض ما قدمته من وجود إفادة القطع في بعض الأخبار عند بعض العلماء دون بعض تقريرا حسنا ، ومثل ذلك بأن الفقهاء من أصحاب مالك قد تواتر عندهم النقل أن مذهبه إجزاء النية من أول رمضان خلافا للشافعي في إيجابه لها في كل ليلة ، وكذا إيجاب مسح جميع الرأس في الوضوء خلافا للشافعي في إجزاء بعضها ، وأن مذهبهما معا إيجاب النية في أول الوضوء واشتراط الولي في النكاح خلافا لأبي حنيفة ، وتجدد العدد الكثير والجم الغفير من الفقهاء من لا يعرف ذلك من خلافهم فضلا عمن لم ينظر في الفقه وهو أمر واضح والله أعلم . وذكر النووي في مقدمة شرح مسلم أن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم تزيد على ألف ومائتين وقال البيهقي في " المدخل " بلغت ألفا ، وقال الزاهدي من الحنفية : ظهر على يديه ألف معجزة ، وقيل : ثلاثة آلاف ، وقد اعتنى بجمعها جماعة من الأئمة كأبي نعيم والبيهقي وغيرهما .

قوله : ( في الإسلام ) أي من حين المبعث وهلم جرا دون ما وقع قبل ذلك ، وقد جمع ما وقع من ذلك قبل المبعث بل قبل المولد الحاكم في " الإكليل " وأبو سعيد النيسابوري في " شرف المصطفى " وأبو نعيم والبيهقي في " دلائل النبوة " وسيأتي منه في هذا الكتاب في قصة زيد بن عمرو بن نفيل في خروجه في ابتغاء الدين ، ومضى منه قصة ورقة بن نوفل وسلمان الفارسي ، وقدمت في " باب أسماء النبي صلى الله عليه وسلم قصة محمد بن عدي بن ربيعة في سبب تسميته محمدا ، ومن مشهور ذلك قصة بحيرا الراهب ، وهي في السيرة لابن إسحاق ، وروى أبو نعيم في " الدلائل " من طريق شعيب أي ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبيه عن جده قال : " كان بمر الظهران راهب يدعى عيصا " فذكر الحديث وفيه أنه : أعلم عبد الله بن عبد المطلب ليلة ولد له النبي صلى الله عليه وسلم بأنه نبي هذه الأمة " وذكر له أشياء من صفته . وروى الطبراني من حديث معاوية بن أبي سفيان عن أبيه : أن أمية بن أبي الصلت قال له : إني أجد في الكتب صفة نبي يبعث من بلادنا ، وكنت أظن أني هو ، ثم ظهر لي أنه من بني عبد مناف ، قال فنظرت فلم أجد فيهم من هو متصف بأخلاقه إلا عتبة بن ربيعة ، إلا أنه جاوز الأربعين ولم يوح إليه فعرفت أنه غيره . قال أبو سفيان : فلما بعث محمد قلت لأمية عنه ، فقال : أما إنه حق فاتبعه ، فقلت له : فأنت ما يمنعك قال : الحياء من نسيات ثقيف أني كنت أخبرهن أني هو ثم أصير تبعا لفتى من بني عبد مناف " وروى ابن إسحاق من حديث سلمة بن سلامة بن وقش ، وأخرجه أحمد وصححه ابن حبان من طريقه قال : " كان لنا جار من اليهود بالمدينة ، فخرج علينا قبل البعثة بزمان فذكر الحشر والجنة والنار ، فقلنا له : وما آية ذلك ؟ قال [ ص: 675 ] خروج نبي يبعث من هذه البلاد - وأشار إلى مكة - فقالوا : متى يقع ذلك ؟ قال فرمى بطرفه إلى السماء - وأنا أصغر القوم - فقال : إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه ، قال فما ذهبت الأيام والليالي حتى بعث الله نبيه وهو حي فآمنا به وكفر هو بغيا وحسدا " وروى يعقوب بن سفيان بإسناد حسن عن عائشة قالت : " كان يهودي قد سكن مكة ، فلما كانت الليلة التي ولد فيها النبي صلى الله عليه وسلم قال : يا معشر قريش هل ولد فيكم الليلة مولود ؟ قالوا : لا نعلم . قال : فإنه ولد في هذه الليلة نبي هذه الأمة ، بين كتفيه علامة ، لا يرضع ليلتين لأن عفريتا من الجن وضع يده على فمه ، فانصرفوا فسألوا فقيل لهم : قد ولد لعبد الله بن عبد المطلب غلام ، فذهب اليهودي معهم إلى أمه فأخرجته لهم ، فلما رأى اليهودي العلامة خر مغشيا عليه وقال : ذهبت النبوة من بني إسرائيل ، يا معشر قريش أما والله ليسطون بكم سطوة يخرج خبرها من المشرق والمغرب " . قلت : ولهذه القصص نظائر يطول شرحها . ومما ظهر من علامات نبوته عند مولده وبعده ما أخرجه الطبراني عن عثمان بن أبي العاص الثقفي عن أمه أنها حضرت آمنة أم النبي صلى الله عليه وسلم فلما ضربها المخاض قالت : فجعلت أنظر إلى النجوم تدلى حتى أقول لتقعن علي ، فلما ولدت خرج منها نور أضاء له البيت والدار . وشاهده حديث العرباض بن سارية قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إني عبد الله وخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته ، وسأخبركم عن ذلك : إني دعوة أبي إبراهيم ، وبشارة عيسى بي ، ورؤيا أمي التي رأت ، وكذلك أمهات النبيين يرين ، وإن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم رأت حين وضعته نورا أضاءت له قصور الشام أخرجه أحمد وصححه ابن حبان والحاكم وفي حديث أبي أمامة عند أحمد نحوه . وأخرج ابن إسحاق عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه وقالت : " أضاءت له بصرى من أرض الشام " وروى ابن حبان والحاكم في قصة رضاعه صلى الله عليه وسلم من طريق ابن إسحاق بإسناده إلى حليمة السعدية الحديث بطوله ، وفيه من العلامات كثرة اللبن في ثدييها ، ووجود اللبن في شارفها بعد الهزال الشديد ، وسرعة مشي حمارها ، وكثرة اللبن في شياهها بعد ذلك ، وخصب أرضها ، وسرعة نباته ، وشق الملكين صدره . وهذا الأخير أخرجه مسلم من حديث أنس " إن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه ، فشق عن قلبه ، فاستخرج منه علقة فقال : هذا حظ الشيطان منك ، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ، ثم جمعه فأعاده مكانه " الحديث . وفي حديث مخزوم بن هانئ المخزومي عن أبيه وكان قد أتت عليه خمسون ومائة سنة قال : لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم انكسر إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشرة شرافة ، وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام ، وغاضت بحيرة ساوة ، ورأى الموبذان إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها ، فلما أصبح كسرى أفزعه ما وقع ، فسأل علماء أهل مملكته عن ذلك فأرسلوا إلى سطيح فذكر القصة بطولها أخرجها ابن السكن وغيره في " معرفة الصحابة " .

ثم أورد المصنف في الباب نحو خمسين حديثا : الحديث الأول حديث عمران بن حصين في قصة المرأة صاحبة المزادتين ، والمعجزة فيها تكثير الماء القليل ببركته صلى الله عليه وسلم ، وقد تقدم شرح الحديث مستوفى في أبواب التيمم ، وقوله في هذه الرواية : " إيه " بكسر الهمزة وسكون التحتانية ، وفي بعض [ ص: 676 ] النسخ " إيها " بالتنوين مع الفتح ، وحكى الجوهري جواز فتح الهمزة في هذه . وقوله : ( مؤتمة ) أي ذات أيتام .

وقوله : ( فمسح بالعزلاوين ) في رواية الكشميهني " في العزلاءين " وهما تثنية عزلاء بسكون الزاي وبالمد وهو فم القربة والجمع عزالي بكسر اللام الخفيفة ، وكذلك وقع في الرواية المتقدمة .

قوله : ( فشربنا عطاشا أربعون رجلا ) أي ونحن حينئذ أربعون ، وفي رواية الكشميهني " أربعين " بالنصب وتوجيهها ظاهر . وقوله : و " هي تكاد تبض " بكسر الموحدة بعدها معجمة ثقيلة أي تسيل ، وحكى عياض عن بعض الرواة بالصاد المهملة من البصيص وهو اللمعان ، ومعناه مستبعد هنا ، فإن في نفس الحديث " تكاد تبض من الملء " بكسر الميم وسكون اللام بعدها همزة ، فكونها تكاد تسيل من الملء ظاهر ، وأما كونها تلمع من الملء فبعيد . وقال ابن التين : معنى قوله : " تبض " بالمعجمة أي تشق ، يقال بض الماء من العين إذا نبع ، وكذا بض العرق ، قال : وفيه روايات أخرى : روي " تنض " بنون وضاد معجمة ، وروي " تيصر " بمثناة مفتوحة بعدها تحتانية ساكنة وصاد مهملة ثم راء . قال وذكر الشيخ أبو الحسن أن معناه تنشق ، قال ومنه صير الباب أي شق الباب ، ورده ابن التين بأن صير عينه حرف علة فكان يلزم أن يقول تصور ، وليس هذا في شيء من الروايات . ورأيت في رواية أبي ذر عن الكشميهني " تنصب " بفتح المثناة وسكون النون وفتح الصاد المهملة بعدها موحدة ، فتوافق الرواية الأولى لأنها بمعنى تسيل .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث