الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة ذكر أن عليه صلاة وهو في أخرى

جزء التالي صفحة
السابق

( 845 ) مسألة : قال : ومن ذكر أن عليه صلاة وهو في أخرى ، أتمها ، وقضى المذكورة ، وأعاد التي كان فيها إذا كان الوقت مبقى وجملة ذلك ، أن الترتيب واجب في قضاء الفوائت . نص عليه أحمد في مواضع ، قال في رواية أبي داود فيمن ترك صلاة سنة : يصليها ، ويعيد كل صلاة صلاها وهو ذاكر لما ترك من الصلاة . وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنه ما يدل على وجوب الترتيب ، ونحوه عن النخعي ، والزهري ، وربيعة ، ويحيى الأنصاري ، ومالك ، والليث ، وأبي حنيفة ، وإسحاق .

وقال الشافعي : لا يجب ; لأن قضاء الفريضة فائتة ، فلا يجب الترتيب فيه ، كالصيام . ولنا ، ما روي : أن النبي صلى الله عليه وسلم فاته يوم الخندق أربع صلوات ، فقضاهن مرتبات . وقال : { صلوا كما رأيتموني أصلي } . وروى الإمام أحمد ، بإسناده ، عن أبي جمعة حبيب بن سباع ، وكان قد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إن النبي صلى الله عليه وسلم عام الأحزاب صلى المغرب ، فلما فرغ قال : هل علم أحد منكم أني صليت العصر ؟ فقالوا : يا رسول الله ما صليتها . فأمر المؤذن فأقام الصلاة ، فصلى العصر ، ثم أعاد المغرب . }

وهذا يدل على وجوب الترتيب . وروى أبو حفص بإسناده عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فليصل مع الإمام ، فإذا فرغ من صلاته فليعد الصلاة التي نسي ، ثم ليعد الصلاة التي صلاها مع الإمام } . رواه أبو يعلى الموصلي ، في مسنده ، بإسناد حسن . وروي موقوفا عن ابن عمر ولأنهما صلاتان مؤقتتان ، فوجب الترتيب فيهما . كالمجموعتين . إذا ثبت هذا ، فإنه يجب الترتيب فيها وإن كثرت ، وقد نص عليه أحمد .

وقال مالك ، وأبو حنيفة : لا يجب الترتيب في أكثر من صلاة يوم وليلة ; ولأن اعتباره فيما زاد على ذلك يشق ، ويفضي إلى الدخول في التكرار ، فسقط ، كالترتيب في قضاء صيام رمضان . ولنا أنها صلوات واجبات ، تفعل في وقت يتسع لها ، فوجب فيها الترتيب كالخمس ، وإفضاؤه إلى التكرار لا [ ص: 353 ] يمنع وجوب الترتيب ، كترتيب الركوع على السجود ، وهذا الترتيب شرط في الصلاة ، فلو أخل به لم تصح صلاته ، بدليل ما ذكرناه من حديث أبي جمعة ، وحديث ابن عمر ، ولأنه ترتيب واجب في الصلاة ، فكان شرطا لصحتها ، كترتيب المجموعتين ، والركوع والسجود . إذا ثبت هذا عدنا إلى مسألة الكتاب ، وهي إذا أحرم بالحاضرة ، ثم ذكر في أثنائها أن عليه فائتة ، والوقت متسع ، فإنه يتمها ، ويقضي الفائتة ، ثم يعيد الصلاة التي كان فيها ، سواء كان إماما أو مأموما أو منفردا . هذا ظاهر كلام الخرقي وأبي بكر ، وهو قول ابن عمر ، ومالك ، والليث ، وإسحاق ، في المأموم .

وهو الذي نقله الجماعة عن أحمد في المأموم ، ونقل عنه جماعة في المنفرد ، أنه يقطع الصلاة ويقضي الفائتة . وهو قول النخعي ، والزهري ، وربيعة ، ويحيى الأنصاري في المنفرد وغيره ، وروى حرب عن أحمد ، في الإمام : ينصرف ، ويستأنف المأمومون . قال أبو بكر : لا ينقلها غير حرب ، وقد نقل عنه في المأموم ، أنه يقطع ، وفي المنفرد ، أنه يتم الصلاة . وكذلك حكم الإمام يجب أن يكون مثله ، فيكون في الجميع أداء روايتان إحداهما يتمها .

وقال طاوس والحسن والشافعي وأبو ثور : يتم صلاته ، ويقضي الفائتة لا غير . ولنا على وجوب الإعادة ، حديث ابن عمر ، وحديث أبي جمعة ، ولأنه ترتيب واجب ، فوجب اشتراطه لصحة الصلاة ، كترتيب المجموعتين . ولنا على أنه يتم الصلاة قوله تعالى : { ولا تبطلوا أعمالكم } . وحديث ابن عمر ، وحديث أبي جمعة أيضا ، قال : يتعين حمله على أنه ذكرها وهو في الصلاة ، فإنه لو نسيها حتى يفرغ من الصلاة لم يجب قضاؤها ، ولأنها صلاة ذكر فيها فائتة ، فلم تفسد كما لو كان مأموما ، فإن ظاهر المذهب أنه يمضي فيها . قال أبو بكر : لا يختلف كلام أحمد ، إذا كان وراء الإمام ، أنه يمضي مع الإمام ، ويعيدهما جميعا " .

واختلف قوله إذا كان وحده ، قال : والذي أقول ، أنه يمضي ، لأنه يشنع أن يقطع ما دخل فيه قبل أن يتمه ، فإن مضى الإمام في صلاته بعد ذكره ، انبنت صلاة المأمومين على ائتمام المفترض بالمتنفل ، والأولى أن ذلك يصح ; لما سنذكره فيما بعد ، إن شاء الله تعالى . وإذا قلنا : يمضي في صلاته فليس ذلك بواجب فإن الصلاة تصير نفلا فلا يلزم ائتمامه . قال مهنا : قلت لأحمد : إني كنت في صلاة العتمة ، فذكرت أني لم أكن صليت المغرب ، فصليت العتمة ، ثم أعدت المغرب والعتمة ؟ قال : أصبت . فقلت : أليس كان ينبغي أن أخرج حين ذكرتها ؟ قال : بلى . قلت : فكيف أصبت ؟ قال : كل جائز .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث