الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " متاعا بالمعروف حقا على المحسنين "

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى ( متاعا بالمعروف حقا على المحسنين ( 236 ) )

قال أبو جعفر : يعني - تعالى ذكره - بذلك : ومتعوهن متاعا . وقد يجوز أن يكون " متاعا " منصوبا قطعا من " القدر " . لأن " المتاع " نكرة ، و " القدر " معرفة .

ويعني بقوله : " بالمعروف " بما أمركم الله به من إعطائكم إياهن ذلك ، بغير ظلم ، ولا مدافعة منكم لهن به .

ويعني بقوله : " حقا على المحسنين " متاعا بالمعروف الحق على المحسنين . فلما دل إدخال " الألف واللام " على " الحق " وهو من نعت " المعروف " و " المعروف " معرفة ، و " الحق " نكرة ، نصب على القطع منه ، كما يقال : " أتاني الرجل راكبا " .

[ ص: 138 ] وجائز أن يكون نصب على المصدر من جملة الكلام الذي قبله ، كقول القائل : " عبد الله عالم حقا " ف " الحق " منصوب من نية كلام المخبر ، كأنه قال : أخبركم بذلك حقا .

والتأويل الأول هو وجه الكلام ، لأن معنى الكلام : فمتعوهن متاعا بمعروف حق على كل من كان منكم محسنا .

وقد زعم بعضهم أن ذلك منصوب بمعنى : أحق ذلك حقا . والذي قاله من ذلك ، بخلاف ما دل عليه ظاهر التلاوة . لأن الله - تعالى ذكره - جعل المتاع للمطلقات حقا لهن على أزواجهن ، فزعم قائل هذا القول أن معنى ذلك أن الله - تعالى ذكره - أخبر عن نفسه أنه يحق أن ذلك على المحسنين . فتأويل الكلام إذا - إذ كان الأمر كذلك - : ومتعوهن على الموسع قدره ، وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف الواجب على المحسنين .

ويعني بقوله : " المحسنين " الذين يحسنون إلى أنفسهم في المسارعة إلى طاعة الله فيما ألزمهم به ، وأدائهم ما كلفهم من فرائضه .

قال أبو جعفر : فإن قال قائل : إنك قد ذكرت أن " الجناح " هو الحرج ، وقد قال الله - تعالى ذكره - : " لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن " فهل علينا من جناح لو طلقناهن بعد المسيس ، فيوضع عنا بطلاقنا إياهن قبل المسيس؟ قيل : قد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " إن الله لا يحب الذواقين ولا الذواقات " .

[ ص: 139 ] 5244 - حدثنا بذلك ابن بشار قال : حدثنا ابن أبي عدي وعبد الأعلى ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن شهر بن حوشب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " ما بال أقوام يلعبون بحدود الله ، يقولون : قد طلقتك ، قد راجعتك ، قد طلقتك " .

5245 - حدثنا بذلك ابن بشار قال : حدثنا مؤمل قال : حدثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن أبي بردة ، عن أبيه ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

فجائز أن يكون " الجناح " الذي وضع عن الناس في طلاقهم نساءهم قبل المسيس ، هو الذي كان يلحقهم منه بعد ذوقهم إياهن ، كما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

[ ص: 140 ] وقد كان بعضهم يقول : معنى قوله في هذا الموضع : " لا جناح " لا سبيل عليكم للنساء - إن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ، ولم تكونوا فرضتم لهن فريضة - في إتباعكم بصداق ولا نفقة . وذلك مذهب ، لولا ما قد وصفت من أن المعني بالطلاق قبل المسيس في هذه الآية صنفان من النساء : أحدهما المفروض لها ، والآخر غير المفروض لها . فإذ كان ذلك كذلك ، فلا وجه لأن يقال : لا سبيل لهن عليكم في صداق ، إذا كان الأمر على ما وصفنا .

وقد يحتمل ذلك أيضا وجها آخر : وهو أن يكون معناه : لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تماسوهن ، في أي وقت شئتم طلاقهن . لأنه لا سنة في طلاقهن ، فللرجل أن يطلقهن إذا لم يكن مسهن ، حائضا وطاهرا في كل وقت أحب . وليس ذلك كذلك في المدخول بها التي قد مست ، لأنه ليس لزوجها طلاقها إن كانت من أهل الأقراء - إلا للعدة طاهرا في طهر لم يجامع فيه . فيكون " الجناح " الذي أسقط عن مطلق التي لم يمسها في حال حيضها ، هو " الجناح " الذي كان به مأخوذا المطلق بعد الدخول بها في حال حيضها ، أو في طهر قد جامعها فيه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث