الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة "

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

القول في تأويل قوله ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة )

قال أبو جعفر : يعني - تعالى ذكره - بذلك : من هذا الذي ينفق في سبيل الله ، فيعين مضعفا ، أو يقوي ذا فاقة أراد الجهاد في سبيل الله ، ويعطي منهم مقترا؟ وذلك هو القرض الحسن الذي يقرض العبد ربه .

وإنما سماه الله - تعالى ذكره - " قرضا " لأن معنى " القرض " إعطاء الرجل غيره ماله مملكا له ، ليقضيه مثله إذا اقتضاه . فلما كان إعطاء من أعطى أهل الحاجة والفاقة في سبيل الله ، إنما يعطيهم ما يعطيهم من ذلك ابتغاء ما وعده الله عليه من جزيل الثواب عنده يوم القيامة ، سماه " قرضا " إذ كان معنى " القرض " في لغة العرب ما وصفنا .

وإنما جعله - تعالى ذكره - " حسنا " لأن المعطي يعطي ذلك عن ندب الله إياه وحثه له عليه ، احتسابا منه . فهو لله طاعة ، وللشياطين معصية . وليس [ ص: 283 ] ذلك لحاجة بالله إلى أحد من خلقه ، ولكن ذلك كقول العرب : " عندي لك قرض صدق ، وقرض سوء " للأمر يأتي فيه للرجل مسرته أو مساءته ، كما قال الشاعر :


كل امرئ سوف يجزى قرضه حسنا أو سيئا ، ومدينا بالذي دانا



فقرض المرء : ما سلف من صالح عمله أو سيئه . وهذه الآية نظيرة الآية التي قال الله فيها - تعالى ذكره - : ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم ) [ سورة البقرة : 261 ] .

وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن زيد يقول :

5617 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا " قال : هذا في سبيل الله " فيضاعفه له أضعافا كثيرة " قال : بالواحد سبعمائة ضعف .

5618 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن زيد بن أسلم قال : لما نزلت : " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة " جاء ابن الدحداح إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا نبي الله ، ألا أرى ربنا يستقرضنا؟ إنما أعطانا لأنفسنا! وإن لي أرضين : إحداهما بالعالية ، والأخرى بالسافلة ، وإني قد جعلت خيرهما صدقة! قال : فكان النبي صلى الله [ ص: 284 ] عليه وسلم يقول : " كم من عذق مذلل لابن الدحداح في الجنة! .

5619 - حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة : أن رجلا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سمع بهذه الآية قال : " أنا أقرض الله " فعمد إلى خير حائط له فتصدق به . قال : وقال قتادة : يستقرضكم ربكم كما تسمعون ، وهو الولي الحميد ويستقرض عباده .

5620 - حدثنا محمد بن معاوية الأنماطي النيسابوري قال : حدثنا خلف بن خليفة ، عن حميد الأعرج ، عن عبد الله بن الحارث ، عن عبد الله بن مسعود قال : لما نزلت : " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا " قال أبو الدحداح : [ ص: 285 ] يا رسول الله ، أوإن الله يريد منا القرض؟! قال : نعم يا أبا الدحداح ! قال : يدك! قال :

فناوله يده ، قال : فإني قد أقرضت ربي حائطي ، حائطا فيه ستمائة نخلة . ثم جاء يمشي حتى أتى الحائط وأم الدحداح فيه في عيالها ، فناداها : يا أم الدحداح ! قالت : لبيك ! قال : اخرجي! قد أقرضت ربي حائطا فيه ستمائة نخلة .


[ ص: 286 ] وأما قوله : " فيضاعفه له أضعافا كثيرة " فإنه عدة من الله - تعالى ذكره - مقرضه ومنفق ماله في سبيل الله من إضعاف الجزاء له على قرضه ونفقته ، ما لا حد له ولا نهاية ، كما : -

5621 - حدثني موسى بن هارون قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة " قال : هذا التضعيف لا يعلم أحد ما هو .

وقد : -

5622 - حدثني المثنى قال : حدثنا سويد بن نصر قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن ابن عيينة ، عن صاحب له يذكر عن بعض العلماء قال : إن الله أعطاكم [ ص: 287 ] الدنيا قرضا ، وسألكموها قرضا ، فإن أعطيتموها طيبة بها أنفسكم ، ضاعف لكم ما بين الحسنة إلى العشر إلى السبعمائة ، إلى أكثر من ذلك . وإن أخذها منكم وأنتم كارهون ، فصبرتم وأحسنتم ، كانت لكم الصلاة والرحمة ، وأوجب لكم الهدى .

قال أبو جعفر : وقد اختلفت القرأة في قراءة قوله : ( فيضاعفه ) بالألف ورفعه ، بمعنى : الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له ، نسق " يضاعف " على قوله : " يقرض " .

وقرأه آخرون بذلك المعنى : ( فيضعفه ) ، غير أنهم قرءوا بتشديد " العين " وإسقاط " الألف " .

وقرأه آخرون : ( فيضاعفه له ) بإثبات " الألف " في " يضاعف " ونصبه ، بمعنى الاستفهام . فكأنهم تأولوا الكلام : من المقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له؟ فجعلوا قوله : " فيضاعفه " جوابا للاستفهام ، وجعلوا : " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا " اسما . لأن " الذي " وصلته ، بمنزلة " عمرو " و " زيد " . فكأنهم وجهوا تأويل الكلام إلى قول القائل : " من أخوك فتكرمه " لأن الأفصح في جواب الاستفهام بالفاء إذا لم يكن قبله ما يعطف به عليه من فعل مستقبل ، نصبه .

قال أبو جعفر : وأولى هذه القراءات عندنا بالصواب ، قراءة من قرأ : ( فيضاعفه له ) بإثبات " الألف " . ورفع " يضاعف " . لأن في قوله : " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا " معنى الجزاء . والجزاء إذا دخل في جوابه " الفاء " لم يكن جوابه [ ص: 288 ] ب " الفاء " إلا رفعا . فلذلك كان الرفع في " يضاعفه " أولى بالصواب عندنا من النصب . وإنما اخترنا " الألف " في " يضاعف " من حذفها وتشديد " العين " لأن ذلك أفصح اللغتين وأكثرهما على ألسنة العرب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث