الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " لا تأخذه سنة ولا نوم "

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى ( لا تأخذه سنة ولا نوم )

قال أبو جعفر : يعني - تعالى ذكره - بقوله : " لا تأخذه سنة " لا يأخذه نعاس فينعس ، ولا نوم فيستثقل نوما .

" والوسن " خثورة النوم ، ومنه قول عدي بن الرقاع :


وسنان أقصده النعاس فرنقت في عينه سنة وليس بنائم

[ ص: 390 ]

ومن الدليل على ما قلنا من أنها خثورة النوم في عين الإنسان ، قول الأعشى ميمون بن قيس :


تعاطي الضجيع إذا أقبلت     بعيد النعاس وقبل الوسن



وقال آخر :


باكرتها الأغراب في سنة النو     م فتجري خلال شوك السيال

[ ص: 391 ]

يعني عند هبوبها من النوم ووسن النوم في عينها ، يقال منه : " وسن فلان فهو يوسن وسنا وسنة وهو وسنان " إذا كان كذلك .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

5769 - حدثني المثنى قال : حدثنا عبد الله بن صالح قال : حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله تعالى : " لا تأخذه سنة " قال : السنة : النعاس ، والنوم : هو النوم .

5770 - حدثني محمد بن سعد قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عمي ، قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " لا تأخذه سنة " السنة : النعاس .

5771 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة والحسن في قوله : " لا تأخذه سنة " قالا نعسة .

5772 - حدثني المثنى قال : حدثنا عمرو بن عون قال : أخبرنا هشيم ، عن جويبر ، عن الضحاك في قوله : " لا تأخذه سنة ولا نوم " قال : السنة : الوسنة ، وهو دون النوم ، والنوم : الاستثقال ،

5773 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا أبو زهير ، عن [ ص: 392 ] جويبر ، عن الضحاك : " لا تأخذه سنة ولا نوم " السنة : النعاس ، والنوم : الاستثقال .

5774 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال : أخبرنا يزيد قال : أخبرنا جويبر ، عن الضحاك مثله سواء .

5775 - حدثني موسى قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : " لا تأخذه سنة ولا نوم " أما " سنة " فهو ريح النوم الذي يأخذ في الوجه فينعس الإنسان .

5776 - حدثت عن عمار قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : " لا تأخذه سنة ولا نوم " قال : " السنة " الوسنان بين النائم واليقظان .

5777 - حدثني عباس بن أبي طالب قال : حدثنا منجاب بن الحرث قال : حدثنا علي بن مسهر ، عن إسماعيل عن يحيى بن رافع : " لا تأخذه سنة " قال : النعاس .

5778 - حدثني يونس ، قال أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : " لا تأخذه سنة ولا نوم " قال : " الوسنان " : الذي يقوم من النوم لا يعقل ، حتى [ ص: 393 ] ربما أخذ السيف على أهله .

قال أبو جعفر : وإنما عنى - تعالى ذكره - بقوله : " لا تأخذه سنة ولا نوم " لا تحله الآفات ، ولا تناله العاهات . وذلك أن " السنة " " والنوم " معنيان يغمران فهم ذي الفهم ، ويزيلان من أصاباه عن الحال التي كان عليها قبل أن يصيباه .

فتأويل الكلام - إذ كان الأمر على ما وصفنا - : " الله لا إله إلا هو الحي " الذي لا يموت " القيوم " على كل ما هو دونه بالرزق والكلاءة والتدبير والتصريف من حال إلى حال " لا تأخذه سنة ولا نوم " لا يغيره ما يغير غيره ، ولا يزيله عما لم يزل عليه تنقل الأحوال وتصريف الليالي والأيام ، بل هو الدائم على حال ، والقيوم على جميع الأنام ، لو نام كان مغلوبا مقهورا ؛ لأن النوم غالب النائم قاهره ، ولو وسن لكانت السماوات والأرض وما فيهما دكا ؛ لأن قيام جميع ذلك بتدبيره وقدرته ، والنوم شاغل المدبر عن التدبير ، والنعاس مانع المقدر عن التقدير بوسنه كما :

5779 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر قال : أخبرني الحكم بن أبان ، عن عكرمة مولى ابن عباس في قوله : " لا تأخذه سنة ولا نوم " أن موسى سأل الملائكة : هل ينام الله ؟ فأوحى الله إلى الملائكة ، وأمرهم أن يؤرقوه ثلاثا فلا يتركوه ينام . ففعلوا ، ثم أعطوه قارورتين فأمسكوه ، ثم تركوه وحذروه أن يكسرهما . قال : فجعل ينعس وهما في يديه ، [ ص: 394 ] في كل يد واحدة . قال : فجعل ينعس وينتبه ، وينعس وينتبه ، حتى نعس نعسة ، فضرب بإحداهما الأخرى فكسرهما . قال معمر : إنما هو مثل ضربه الله ، يقول : فكذلك السماوات والأرض في يديه .

5780 - حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل قال : حدثنا هشام بن يوسف ، عن أمية بن شبل ، عن الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحكي عن موسى - صلى الله عليه وسلم - على المنبر ، قال : وقع في نفس موسى : هل ينام الله - تعالى ذكره - ؟ فأرسل الله إليه ملكا فأرقه ثلاثا ، ثم أعطاه قارورتين في كل يد قارورة ، أمره أن يحتفظ بهما . قال : فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان ، ثم يستيقظ فيحبس إحداهما عن الأخرى ، ثم نام نومة فاصطفقت يداه وانكسرت القارورتان . قال : ضرب الله مثلا له أن الله لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث