الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كلام الأئمة الأربعة وأصحابهم في ذم التقليد

كلام الأئمة الأربعة وأصحابهم في ذم التقليد

قال صاحب "الهداية" : في "روضة العلماء" : أنه قيل لأبي حنيفة: إذا قلت قولا وكتاب الله يخالفه؟ قال: اتركوا قولي بكتاب الله.

فقيل: إذا كان خبر الرسول يخالفه؟ قال: اتركوا قولي بخبر الرسول صلى الله عليه وسلم-.

فقيل: إذا كان قول الصحابي يخالفه؟ فقال: اتركوا قولي بقول الصحابي . ا هـ

وقد روى عنه هذه المقالة جماعة من أصحابه وغيرهم.

وذكر نور الدين السنهوري نحو ذلك عن مالك، قال: قال ابن مدى في "منسكه" : روينا عن معن بن عيسى، قال: سمعت مالكا يقول: إنما أنا بشر أخطئ، وأصيب، فانظروا في رأيي كل ما وافق الكتاب والسنة، فخذوا به، وما لم يوافق الكتاب والسنة، فاتركوه. انتهى.

ونقل الأجهوري والجوشي هذا الكلام، وأقراه في شرحيهما على "مختصر خليل" . وقد روى ذلك عن مالك جماعة من أهل مذهبه وغيرهم.

وأما الإمام الشافعي، فقد تواتر ذلك عنه تواترا لا يخفى على مقصر، فضلا عن كامل; فإنه نقل ذلك عنه غالب أتباعه، ونقله عنه أيضا جميع المترجمين له إلا من شذ.

ومن جملة من روى ذلك: البيهقي; فإنه ساق إسنادا إلى الربيع، قال : [ ص: 213 ] سمعت الشافعي - وسأله رجل عن مسألة، فقال: يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم- أنه قال : كذا وكذا.

فقال له السائل: يا أبا عبد الله! فتقول بهذا؟ فارتعد الشافعي واصفر، وحال لونه، وقال: ويحك ! وأي أرض تقلني، وأي سماء تظلني إذا رويت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئا، ولم أقل به؟! نعم على الرأس والعين، نعم على الرأس والعين.

وروى البيهقي أيضا عن الشافعي: أنه قال: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فقولوا بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، ودعوا ما قلت.

وروى البيهقي عنه أيضا، قال: إذا حدث الثقة عن الثقة حتى ينتهي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فهو ثابت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، ولا يترك لرسول الله صلى الله عليه وسلم-، حديث أبدا، إلا حديث وجد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخالفه .

وروى البيهقي أيضا عنه: أنه قال له - رجل وقد روى حديثا -: أتأخذ به؟ فقال: متى رويت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حديثا صحيحا، فلم آخذ به، فأشهدكم أن عقلي قد ذهب.

وحكى ابن القيم في "أعلام الموقعين" : أن الربيع قال: سمعت الشافعي يقول: كل مسألة يصح فيها الخبر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند أهل النقل بخلاف ما قلت، فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي.

وقال حرملة بن يحيى: قال الشافعي: ما قلت، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد قال بخلاف قولي، فما صح من حديث النبي صلى الله عليه وسلم- أولى، ولا تقلدوني.

وقال الحميدي: سأل رجل الشافعي عن مسألة، فأفتاه، وقال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- كذا وكذا.

فقال الرجل: أتقول بهذا يا أبا عبد الله؟ فقال الشافعي - رحمه الله -: أرأيت في وسطي زنارا؟ أتراني خرجت من الكنيسة؟ أقول: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتقول لي: أتقول بهذا؟!

[ ص: 214 ] أروي عن النبي صلى الله عليه وسلم- ولا أقول به؟ انتهى .

ونقل إمام الحرمين في "نهايته" عن الشافعي: أنه قال: إذا صح خبر يخالف مذهبي فاتبعوه، واعلموا أنه مذهبي، انتهى.

وقد روى نحو ذلك الخطيب وكذلك الذهبي في "تاريخ الإسلام" ، و "النبلاء" ، وغير هؤلاء ممن لا يأتي عليه الحصر.

وقال الحافظ ابن حجر في "توالي التأسيس" : قد اشتهر عن الشافعي: إذا صح الحديث فهو مذهبي. وحكى عن السبكي أن له مصنفا في هذه المسألة.

وأما الإمام أحمد بن حنبل، فهو أشد الأئمة الأربعة تنقيرا عن الرأي، وأبعدهم عنه، وألزمهم للسنة، وقد نقل عنه ابن القيم في مؤلفاته ; كـ "أعلام الموقعين" ما فيه التصريح بأنه لا عمل على الرأي أصلا. وهكذا نقل عنه ابن الجوزي وغيره من أصحابه .

وإذا كان من المانعين للرأي، المنفرين عنه، فهو قائل بما قاله الأئمة الثلاثة، المنقولة نصوصهم على أن الحديث مذهبهم، ويزيد عليهم بأنهم سوغوا الرأي فيما لا يخالف النص، وهو منعه من الأصل.

وقد حكى الشعراني في "الميزان" : أن الأئمة الأربعة كلهم قالوا: إذا صح الحديث، فهو مذهبنا، وليس لأحد قياس ولا حجة. انتهى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث