الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " وانظر إلى حمارك "

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

القول في تأويل قوله ( وانظر إلى حمارك )

قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : ( وانظر إلى حمارك ) .

فقال بعضهم : معنى ذلك : وانظر إلى إحيائي حمارك ، وإلى عظامه كيف أنشزها ثم أكسوها لحما .

ثم اختلف متأولو ذلك في هذا التأويل .

فقال بعضهم : قال الله - تعالى ذكره - ذلك له بعد أن أحياه خلقا سويا ، ثم أراد أن يحيي حماره تعريفا منه - تعالى ذكره - له كيفية إحيائه القرية التي رآها خاوية على عروشها ، فقال : ( أنى يحيي هذه الله بعد موتها ) ؟ مستنكرا إحياء الله إياها .

ذكر من قال ذلك :

5933 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عمن لا يتهم ، [ ص: 468 ] عن وهب بن منبه قال : بعثه الله فقال : ( كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم ) إلى قوله : ( ثم نكسوها لحما ) قال : فنظر إلى حماره ياتصل بعض إلى بعض . وقد كان مات معه بالعروق والعصب ، ثم كسا ذلك منه اللحم حتى استوى ثم جرى فيه الروح ، فقام ينهق . ونظر إلى عصيره وتينه ، فإذا هو على هيئته حين وضعه لم يتغير . فلما عاين من قدرة الله ما عاين قال : ( أعلم أن الله على كل شيء قدير ) .

5934 - حدثني موسى قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : ثم إن الله أحيا عزيرا ، فقال : كم لبثت ؟ قال : لبثت يوما أو بعض يوم . قال : بل لبثت مائة عام ! فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه ، وانظر إلى حمارك قد هلك وبليت عظامه ، وانظر إلى عظامه كيف ننشزها ثم نكسوها لحما .

فبعث الله ريحا ، فجاءت بعظام الحمار من كل سهل وجبل ذهبت به الطير والسباع ، فاجتمعت ، فركب بعضها في بعض وهو ينظر ، فصار حمارا من عظام ليس له لحم ولا دم . ثم إن الله كسا العظام لحما ودما ، فقام حمارا من لحم ودم وليس فيه روح . ثم أقبل ملك يمشي حتى أخذ بمنخر الحمار ، فنفخ فيه فنهق الحمار ، فقال : ( أعلم أن الله على كل شيء قدير ) .

قال أبو جعفر : فتأويل الكلام على ما تأوله قائل هذا القول : وانظر إلى إحيائنا حمارك ، وإلى عظامه كيف ننشزها ثم نكسوها لحما ، ولنجعلك آية للناس فيكون في قوله : ( وانظر إلى حمارك ) ، متروك من الكلام ، استغني بدلالة ظاهره عليه من ذكره ، وتكون الألف واللام في قوله : ( وانظر إلى العظام ) بدلا من " الهاء " المرادة في المعنى ؛ لأن معناه : وانظر إلى عظامه - يعني : إلى عظام الحمار . [ ص: 469 ]

وقال آخرون منهم : بل قال الله - تعالى ذكره - ذلك له بعد أن نفخ فيه الروح في عينه . قالوا : وهي أول عضو من أعضائه نفخ الله فيه الروح ، وذلك بعد أن سواه خلقا سويا ، وقبل أن يحيي حماره .

ذكر من قال ذلك :

5935 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : كان هذا رجلا من بني إسرائيل نفخ الروح في عينيه ، فينظر إلى خلقه كله حين يحييه الله ، وإلى حماره حين يحييه الله .

5936 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله .

5937 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال : بدأ بعينيه فنفخ فيهما الروح ، ثم بعظامه فأنشزها ، ثم وصل بعضها إلى بعض ، ثم كساها العصب ، ثم العروق ، ثم اللحم . ثم نظر إلى حماره ، فإذا حماره قد بلي وابيضت عظامه في المكان الذي ربطه فيه ، فنودي : " يا عظام اجتمعي ، فإن الله منزل عليك روحا " فسعى كل عظم إلى صاحبه ، فوصل العظام ، ثم العصب ، ثم العروق ثم اللحم ، ثم الجلد ، ثم الشعر ، وكان حماره جذعا ، فأحياه الله كبيرا قد تشنن ، فلم يبق منه إلا الجلد من طول الزمن . وكان طعامه سل عنب ، وشرابه دن خمر . قال ابن جريج عن مجاهد : نفخ الروح في عينيه ، ثم نظر بهما إلى خلقه كله حين نشره الله ، وإلى حماره حين يحييه الله . [ ص: 470 ]

وقال آخرون : بل جعل الله الروح في رأسه وبصره ، وجسده ميت ، فرأى حماره قائما كهيئته يوم ربطه ، وطعامه وشرابه كهيئته يوم حل البقعة . ثم قال الله له : انظر إلى عظام نفسك كيف ننشزها .

ذكر من قال ذلك :

5938 - حدثني محمد بن سهل بن عسكر قال : حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال : حدثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول : رد الله روح الحياة في عين أرميا وآخر جسده ميت ، فنظر إلى طعامه وشرابه لم يتسنه ، ونظر إلى حماره واقفا كهيئته يوم ربطه ، لم يطعم ولم يشرب ، ونظر إلى الرمة في عنق الحمار لم تتغير ، جديدة .

5940 - حدثت عن الحسين قال : سمعت أبا معاذ قال : حدثنا عبيد بن سليمان قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : ( فأماته الله مائة عام ثم بعثه ) ، فنظر إلى حماره قائما قد مكث مائة عام ، وإلى طعامه لم يتغير قد أتى عليه مائة عام ( وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما ) فكان أول شيء أحيا الله منه رأسه ، فجعل ينظر إلى سائر خلقه يخلق .

5941 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك في قوله : ( فأماته الله مائة عام ثم بعثه ) فنظر إلى حماره قائما ، وإلى طعامه وشرابه لم يتغير ، فكان أول شيء خلق منه رأسه ، فجعل ينظر [ ص: 471 ] إلى كل شيء منه يوصل بعضه إلى بعض . فلما تبين له قال : ( أعلم أن الله على كل شيء قدير ) .

5942 - حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : ذكر لنا أنه : أول ما خلق الله منه رأسه ، ثم ركبت فيه عيناه ، ثم قيل له : انظر ! فجعل ينظر ، فجعلت عظامه تواصل بعضها إلى بعض ، وبعين نبي الله - عليه السلام - كان ذلك فقال : ( أعلم أن الله على كل شيء قدير ) .

5943 - حدثت عن عمار قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : ( وانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ) وكان حماره عنده كما هو ( ولنجعلك آية للناس ) ( وانظر إلى العظام كيف ننشزها ) . قال الربيع : ذكر لنا - والله أعلم - أنه : أول ما خلق منه عيناه ، ثم قيل انظر ! فجعل ينظر إلى العظام يتواصل بعضها إلى بعض ، وذلك بعينيه فقال : ( أعلم أن الله على كل شيء قدير ) .

4644 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : أخبرنا ابن زيد قال قوله : ( وانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ) واقفا عليك منذ مائة سنة ( ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام ) يقول : وانظر إلى عظامك كيف نحييها حين سألتنا : " كيف نحيي هذه " ؟ . قال : فجعل الله الروح في بصره وفي لسانه ، ثم قال : ادع الآن بلسانك الذي جعل الله فيه الروح ، وانظر ببصرك . قال : فكان ينظر إلى الجمجمة . قال فنادى : ليلحق كل عظم بأليفه . قال : فجاء كل عظم إلى صاحبه ، حتى اتصلت وهو يراها ، حتى إن الكسرة من العظم لتأتي إلى الموضع الذي انكسرت منه ، فتلصق به حتى وصل إلى جمجمته ، [ ص: 472 ] وهو يرى ذلك . فلما اتصلت شدها بالعصب والعروق ، وأجرى عليها اللحم والجلد ، ثم نفخ فيها الروح ، ثم قال : ( انظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما ) فلما تبين له ذلك ( قال : أعلم أن الله على كل شيء قدير ) . قال : ثم أمر فنادى تلك العظام التي قال : ( أنى يحيي هذه الله بعد موتها ) كما نادى عظام نفسه ، ثم أحياها الله كما أحياه .

5945 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : أخبرني بكر بن مضر قال : يزعمون في بعض الكتب أن الله أمات أرميا مائة عام ، ثم بعثه ، فإذا حماره حي قائم على رباطه . قال : ورد الله إليه بصره ، وجعل الروح فيه قبل أن يبعث بثلاثين سنة ، ثم نظر إلى بيت المقدس وكيف عمر وما حوله . قال : فيقولون - والله أعلم - : إنه الذي قال الله - تعالى ذكره - : ( أو كالذي مر على قرية وهي خاوية ) الآية .

ومعنى الآية على تأويل هؤلاء : وانظر إلى حمارك ، ولنجعلك آية للناس ، وانظر إلى عظامك كيف ننشزها بعد بلاها ، ثم نكسوها لحما ، فنحييها بحياتك فتعلم كيف يحيي الله القرى وأهلها بعد مماتها . [ ص: 473 ]

قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في هذه الآية بالصواب قول من قال : إن الله - تعالى ذكره - بعث قائل : ( أنى يحيي هذه الله بعد موتها ) من مماته ، ثم أراه نظير ما استنكر من إحياء الله القرية التي مر بها بعد مماتها عيانا من نفسه وطعامه وحماره . فجعل - تعالى ذكره - ما أراه من إحيائه نفسه وحماره مثلا لما استنكر من إحيائه أهل القرية التي مر بها خاوية على عروشها ، وجعل ما أراه من العبرة في طعامه وشرابه عبرة له وحجة عليه في كيفية إحيائه منازل القرية وجنانها . وذلك هو معنى قول مجاهد الذي ذكرناه قبل .

وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية ؛ لأن قوله : ( وانظر إلى العظام ) إنما هو بمعنى : وانظر إلى العظام التي تراها ببصرك كيف ننشزها ، ثم نكسوها لحما .

وقد كان حماره أدركه من البلى في قول أهل التأويل جميعا نظير الذي لحق عظام من خوطب بهذا الخطاب ، فلم يمكن صرف معنى قوله : ( وانظر إلى العظام ) إلى أنه أمر له بالنظر إلى عظام الحمار دون عظام المأمور بالنظر إليها ، ولا إلى أنه أمر له بالنطر إلى عظام نفسه دون عظام الحمار - وإذ كان ذلك كذلك - وكان البلى قد لحق عظامه وعظام حماره ، كان الأولى بالتأويل أن يكون الأمر بالنظر إلى كل ما أدركه طرفه مما قد كان البلى لحقه ؛ لأن الله - تعالى ذكره - جعل جميع ذلك عليه حجة وله عبرة وعظة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث