الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى "

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

القول في تأويل قوله ( يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر )

قال أبو جعفر : يعني - تعالى ذكره - بذلك : ( يا أيها الذين آمنوا ) صدقوا الله ورسوله ( لا تبطلوا صدقاتكم ) يقول : لا تبطلوا أجور صدقاتكم بالمن والأذى كما أبطل كفر الذي ينفق ماله ( رئاء الناس ) ، وهو مراءاته إياهم بعمله ، وذلك أن ينفق ماله فيما يرى الناس في الظاهر أنه يريد الله - تعالى ذكره - فيحمدونه عليه ، وهو غير مريد به الله ولا طالب منه الثواب ، وإنما ينفقه كذلك ظاهرا [ ص: 522 ] ليحمده الناس عليه فيقولوا : هو سخي كريم ، وهو رجل صالح " فيحسنوا عليه به الثناء ، وهم لا يعلمون ما هو مستبطن من النية في إنفاقه ما أنفق ، فلا يدرون ما هو عليه من التكذيب بالله - تعالى ذكره - واليوم الآخر .

وأما قوله : ( ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ) ، فإن معناه : ولا يصدق بوحدانية الله وربوبيته ، ولا بأنه مبعوث بعد مماته فمجازى على عمله ، فيجعل عمله لوجه الله وطلب ثوابه وما عنده في معاده . وهذه صفة المنافق . وإنما قلنا إنه منافق ؛ لأن المظهر كفره والمعلن شركه ، معلوم أنه لا يكون بشيء من أعماله مرائيا ؛ لأن المرائي هو الذي يرائي الناس بالعمل الذي هو في الظاهر لله ، وفي الباطن مريبة سريرة عامله ، مراده به حمد الناس عليه . والكافر لا يخيل على أحد أمره أن أفعاله كلها إنما هي للشيطان - إذا كان معلنا كفره - لا لله . ومن كان كذلك ، فغير كائن مرائيا بأعماله .

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

6039 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال أبو هانئ الخولاني ، عن عمرو بن حريث قال : إن الرجل يغزو لا يسرق ولا يزني ولا يغل ، لا يرجع بالكفاف ! فقيل له : لم ذاك ؟ قال : إن الرجل ليخرج ، فإذا أصابه من [ ص: 523 ] بلاء الله الذي قد حكم عليه ، سب ولعن إمامه ولعن ساعة غزا ، وقال : لا أعود لغزوة معه أبدا ! فهذا عليه ، وليس له مثل النفقة في سبيل الله يتبعها من وأذى . فقد ضرب الله مثلها في القرآن : ( يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) ، حتى ختم الآية .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث