الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك في نجاستها في الإناء قبل غسلها ثلاثا

باب كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك في نجاستها في الإناء قبل غسلها ثلاثا

278 وحدثنا نصر بن علي الجهضمي وحامد بن عمر البكراوي قالا حدثنا بشر بن المفضل عن خالد عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده حدثنا أبو كريب وأبو سعيد الأشج قالا حدثنا وكيع ح وحدثنا أبو كريب حدثنا أبو معاوية كلاهما عن الأعمش عن أبي رزين وأبي صالح عن أبي هريرة في حديث أبي معاوية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حديث وكيع قال يرفعه بمثله وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير بن حرب قالوا حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن أبي سلمة ح وحدثنيه محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب كلاهما عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله

التالي السابق


باب كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك في نجاستها في الإناء ( قبل غسلها ثلاثا )

فيه قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده ) قال الشافعي وغيره من العلماء - رحمهم الله تعالى - في معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يدري أين باتت يده ) : أنأهل الحجاز كانوا يستنجون بالأحجار وبلادهم حارة ، فإذا نام أحدهم عرق فلا يأمن النائم أن يطوف يده على ذلك الموضع النجس أو على بثرة أو قملة أو قذر غير ذلك . وفي هذا الحديث : دلالة لمسائل كثيرة في مذهبنا ومذهب الجمهور منها : أن الماء القليل إذا وردت عليه نجاسة نجسته ، وإن قلت ولم تغيره فإنها تنجسه ; لأن الذي تعلق باليد ولا يرى قليل جدا ، وكانت عادتهم استعمال الأواني الصغيرة التي تقصر عن قلتين بل لا تقاربهما ، ومنها الفرق بين ورود الماء على النجاسة وورودها عليه ، وأنها إذا وردت عليه نجسته وإذا ورد عليها أزالها ، ومنها أن الغسل سبعا ليس عاما في جميع النجاسات وإنما ورد الشرع به في ولوغ الكلب خاصة . ومنها : أن موضع الاستنجاء لا يطهر بالأحجار بل يبقى نجسا معفوا عنه في حق الصلاة . ومنها : استحباب غسل النجاسة ثلاثا لأنه إذا أمر به في المتوهمة ففي المحققة أولى .

ومنها استحباب الغسل ثلاثا في المتوهمة . ومنها : أن النجاسة المتوهمة يستحب فيها الغسل ولا يؤثر فيها الرش فإنه - صلى الله عليه وسلم - قال : حتى يغسلها ، ولم يقل حتى يغسلها أو يرشها . ومنها : استحباب الأخذ بالاحتياط في العبادات وغيرها ما لم يخرج عن حد الاحتياط إلى حد الوسوسة ، وفي الفرق بين الاحتياط والوسوسة كلام طويل أوضحته في باب [ ص: 517 ] الآنية من شرح المهذب . ومنها : استحباب استعمال ألفاظ الكنايات فيما يتحاشى من التصريح به فإنه - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يدري أين باتت يده ، ولم يقل فلعل يده وقعت على دبره أو ذكره أو نجاسة أو نحو ذلك ، وإن كان هذا معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - . ولهذا نظائر كثيرة في القرآن العزيز والأحاديث الصحيحة ، وهذا إذا علم أن السامع يفهم بالكناية المقصود ، فإن لم يكن كذلك فلا بد من التصريح لينفي اللبس والوقوع في خلاف المطلوب ، وعلى ذا يحمل ما جاء من ذلك مصرحا به . والله أعلم .

هذه فوائد من الحديث غير الفائدة المقصودة هنا ، وهي النهي عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها ، وهذا مجمع عليه ، لكن الجماهير من العلماء المتقدمين والمتأخرين على أنه نهي تنزيه لا تحريم ، فلو خالف وغمس لم يفسد الماء ولم يأثم الغامس ، وحكى أصحابنا عن الحسن البصري - رحمه الله - تعالى - أنه ينجس إن كان قام من نوم الليل . وحكوه أيضا عن إسحاق بن راهويه ومحمد بن جرير الطبري وهو ضعيف جدا ، فإن الأصل في الماء واليد الطهارة فلا ينجس بالشك ، وقواعد الشرع متظاهرة على هذا ولا يمكن أن يقال الظاهر في اليد النجاسة ، وأما الحديث فمحمول على التنزيه ، ثم مذهبنا ومذهب المحققين : أن هذا الحكم ليس مخصوصا بالقيام من النوم ; بل المعتبر فيه الشك في نجاسة اليد فمتى شك في نجاستها كره له غمسها في الإناء قبل غسلها وسواء قام من نوم الليل أو النهار ، أو شك في نجاستها من غير نوم ، وهذا مذهب جمهور العلماء . وحكي عن أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى - رواية : أنه إن قام من نوم الليل كره كراهة تحريم ، وإن قام من نوم النهار كره كراهة تنزيه . ووافقه عليه داود الظاهري اعتمادا على لفظ المبيت في الحديث ، وهذا مذهب ضعيف جدا ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - نبه على العلة بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فإنه لا يدري أين باتت يده ) ، ومعناه : أنه لا يأمن النجاسة على يده ، وهذا عام لوجود احتمال النجاسة في نوم الليل والنهار وفي اليقظة ، وذكر الليل أولا لكونه الغالب ، ولم يقتصر عليه خوفا من توهم أنه مخصوص به ، بل ذكر العلة بعده . والله أعلم .

هذا كله إذا شك في نجاسة اليد ، أما إذا تيقن طهارتها وأراد غمسها قبل غسلها فقد قال جماعة من أصحابنا : حكمه حكم الشك ; لأن أسباب النجاسة قد تخفى في حق معظم الناس فسد الباب لئلا يتساهل فيه من لا يعرف ، والأصح الذي ذهب إليه الجماهير من أصحابنا : أنه لا كراهة فيه ; بل هو في خيار بين الغمس أولا والغسل ; لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر النوم ونبه على العلة وهي الشك ، فإذا انتفت العلة انتفت الكراهة ، ولو كان النهي عاما لقال : إذا أراد أحدكم استعمال الماء فلا يغمس يده حتى يغسلها وكان أعم وأحسن . والله أعلم .

قال [ ص: 518 ] أصحابنا وإذا كان الماء في إناء كبير أو صخرة بحيث لا يمكن الصب منه وليس معه إناء صغير يغترف به ; فطريقه : أن يأخذ الماء بفمه ثم يغسل به كفيه أو يأخذ بطرف ثوبه النظيف أو يستعين بغيره . والله أعلم .

وأما أسانيد الباب ففيه : ( الجهضمي ) بفتح الجيم والضاد المعجمة وتقدم بيانه في المقدمة . وفيه : ( حامد بن عمر البكراوي ) بفتح الباء الموحدة وإسكان الكاف وهو حامد بن عمر بن حفص بن عمر بن عبد الله بن أبي بكرة نفيع بن الحارث الصحابي ; فنسب حامد إلى جده . وفيه ( أبو رزين ) اسمه : مسعود بن مالك الكوفي كان عالما فيها ، وهو مولى أبي وائل شقيق بن سلمة . وفيه : قول مسلم - رحمه الله - تعالى - في حديث أبي معاوية : ( قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) وفي حديث وكيع : ( يرفعه ) ، وهذا الذي فعله مسلم - رحمه الله - تعالى - من احتياطه ودقيق نظره وغزير علمه وثبوت فهمه ; فإن أبا معاوية ووكيعا اختلفت روايتهما ; فقال أحدهما : قال أبو هريرة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال الآخر : عن أبي هريرة يرفعه وهذا بمعنى ذلك عند أهل العلم كما قدمناه في الفصول ، ولكن أراد مسلم - رحمه الله - تعالى - ألا يروي بالمعنى فإن الرواية بالمعنى حرام عند جماعات من العلماء وجائزة عند الأكثرين ، إلا أن الأولى اجتنابها . والله أعلم .

وفيه : ( معقل عن أبي الزبير ) هو ( معقل ) بفتح الميم وكسر القاف ، و ( أبو الزبير ) هو محمد بن مسلم بن تدرس تقدم بيانه في مواضع . وفيه : ( المغيرة الحزامي ) بالزاي والمغيرة بضم الميم على المشهور ، ويقال بكسرها ، تقدم ذكرهما في المقدمة . والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث