الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان حكم القيام للقادم

[ ص: 413 ] بيان حكم القيام للقادم

وعنه، قال: لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا رأوه، لم يقوموا; لما يعلمون من كراهيته لذلك; أي: لقيامهم; تواضعا لربه، مخالفة لعادة المتكبرين والمتجبرين، بل اختار الثبات على عادة العرب في ترك التكلف في قيامهم، وجلوسهم، وأكلهم، وشربهم، ولبسهم، ومشيهم، وسائر أفعالهم وأخلاقهم.

ولذا روي: "أنا وأتقياء أمتي براء من التكلف" ، كذا في "المرقاة" . رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح.

فيه: أن القيام للتعظيم مكروه، والمكروه - في عرف السلف الصالح -بمعنى: التحريم، فدل الحديث على المنع منه لأحد، كائنا من كان.

وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم- الذي هو سيد العظماء والنبلاء - يكرهه لنفسه المقدسة، فمن ذاك الذي ينبغي له القيام تعظيما وتكريما ؟!

ويزيده إيضاحا حديث أبي أمامة، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، متكئا على عصا، فقمنا له، فقال: "لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضا" رواه أبو داود.

وفيه صريح النهي عن القيام التعظيمي، وأنه من خصال الأعاجم، ويدخل فيهم النصارى واليهود.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد المخالفة لهم، ويحث على هذه المخالفة.

والأصل في النهي التحريم، وقد صرح في الحديث بأن هذا القيام من بعضهم البعض، كان تكريما وتعظيما، فنهى عنه.

ويؤيده حديث سعيد بن أبي الحسن، قال: جاءنا أبو بكرة في شهادة، فقام له رجل من مجلسه، فأبى أن يجلس فيه، وقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذا. الحديث رواه أبو داود. وهذا صريح في النهي عن القيام التعظيمي.

[ ص: 414 ] وعن معاوية، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سره أن يتمثل له الرجال قياما، فليتبوأ مقعده من النار" رواه الترمذي، وأبو داود.

قال في "المرقاة" : هو أن يقفوا بين يديه قائمين لخدمته وتعظيمه، من قولهم: مثل بين يديه مثولا; أي: انتصب قائما. كذا ذكره بعض الشراح.

والظاهر: أنهم إذا كانوا قائمين للخدمة لا للتعظيم، فلا بأس به، كما يدل عليه حديث سعد. انتهى.

قلت: المراد بحديث سعد: ما روي عن أبي سعيد الخدري، قال: لما نزلت بنو قريظة على حكم سعد، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، وكان قريبا منه، فجاء على حمار، فلما دنا من المسجد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار: "قوموا إلى سيدكم" متفق عليه.

وحمله النووي على جواز القيام التعظيمي في رسالة مستقلة له في هذه المسألة، وما أبعد حمله على ذلك !! ويأباه السياق والسباق.

بل المراد: قوموا لإعانته في النزول عن الحمار; إذ كان به مرض وأثر جرح أكحله يوم الأحزاب، ولو أراد تعظيمه، لقال: قوموا لسيدكم.

ومما يؤيده: تخصيص الأنصار، والتنصيص على السيادة المضافة.

وقد تقدم أن أصحابه صلى الله عليه وسلم ما كانوا يقومون تعظيما له مع أنه سيد الخلق; لما يعلمون من كراهته لذلك.

قال التوربشتي - بعد ما قال نحو هذا -: وما ذكر في قيامه صلى الله عليه وسلم لعكرمة بن أبي جهل عند قدومه عليه، وما يروى عن عدي بن حاتم: ما دخلت عليه إلا قام لي، أو تحرك، فإن ذلك مما لا يصح الاحتجاج به; لضعفه، والمشهور عن عدي: إلا وسع لي.

ولو ثبت، فالوجه فيه أن يحمل على الترخيص حيث يقتضيه الحال.

وقد كان عكرمة من رؤساء قريش، وكان عدي سيد بني طي، فرأى تأليفهما بذلك على الإسلام على حسب ما يقتضيه حب الرياسة. انتهى.

[ ص: 415 ] قلت: والظاهر: أن النهي عنه كان بعد هذا القيام، إن صح، ولكن لم يصح.

قال بعض أهل العلم في قوله: "قوموا لسيدكم" ; أي: لتعظيمه، ويستدل به على عدم كراهته، فيكون الأمر للإباحة، أو لبيان الجواز. انتهى.

ويدفعه: التخصيص والتنصيص المذكوران، فلا حجة فيه على المطلوب، واللام تجيء بمعنى "إلى" ، وكذا "إلى" تجيء بمعنى اللام، فالجواب بها ليس كما ينبغي، والأولى الاحتجاج بحديث أنس، ومعاوية، وأبي أمامة المتقدم.

قال العلامة الشوكاني في "الفتح الرباني" : ليعلم أولا أن محل النزاع القيام المقيد بالتعظيم، لا المطلق، وقد دل على تحريم الأول حديث أبي أمامة المذكور، ولا يخفى عليك أن مناط النهي هاهنا، هو التعظيم المصرح به، وقد شهد لهذا الحديث حديث مسلم، ولهذا أورده المنذري في هذا البحث، لا بيان أن القيام محمول على القيام في حال القعود; فإنه يأباه لفظ: "خرج" المقيد بـ "متوكئا" المعلق عليه "فقال" بالفاء التي هي غالبة في الفور.

وشهد له أيضا حديث التمثل; فإنه محمول على التعظيم حمل المطلق على المقيد.

لا يقال: الوعيد هاهنا; للمقوم له لا للقائم، وليس مما نحن فيه. لأنا نقول: الوعيد على المسرة بالفعل قاض بعدم جوازه، إذ المسرة بالجائز جائزة بلا نزاع.

فإن قلت: هذا الحديث وارد في القيام على القاعد، لا في القيام إلى الوارد.

قلت: التقييد بحال القعود خلاف على ما دل عليه الحديث; للقطع باندراج القيام للقائم تحته.

فإن قلت: التقييد بحديث مسلم، بلفظ: "يقومون على ملوكهم وهم قعود" .

قلت: قد عرفت حديث أبي أمامة، ودلالته على المنع مع القيام تعظيما، [ ص: 416 ] وحكاية أن ذلك من فعل الأعاجم، فليس أحد الحديثين بالتقييد أولى من الآخر، فالحق منع القيام لمجرد التعظيم مطلقا.

وقد شهدت هذه الشواهد من حديث أبي أمامة، فصلح للاحتجاج على تحريم ذلك القيام المقيد بالتعظيم.

ونحن نقول بموجب ما احتج به على الجواز من تقرير النبي صلى الله عليه وسلم لفعل طلحة، وأمر قوم سعد بالقيام إليه، وقيامه إلى فاطمة، وقيامها إليه; لأن هذه الأدلة خالية من ذلك القيد الذي جعلناه مناط النهي، وهي أدلتنا على جواز القيام الخالي عن التعظيم، سواء كان الباعث عليه المحبة، أو الإكرام، أو الوفاء بحق القاصد; كالقيام للمصافحة، أو غير ذلك، على أنه قد قيل في حديث سعد إن أمره أصحابه بالقيام، كان لإعانته عن النزول عن ظهر مركوبه; لضعفه عن النزول بسبب الجراحة التي أصابته.

وهذا، وإن كان خلاف الظاهر، إلا أنه يعين على قبوله تخصيص هذه الحالة التي صار فيها جريحا بأمر أصحابه بالقيام إليه دون غيرها وغيره.

سلمنا أن هذا القيام ليس لهذا الباعث، فقصر الغرض منه على التعظيم الذي هو محل النزاع ممنوع، والسبب تعدد المقتضيات، وانتفى المقتضى للتعيين، والنهي عنه بخصوصه.

وكلام العامري مسلم; لأن القيام للكرامة والسرور والمحبة والبر جائز، إنما النزاع في قيام التعظيم الذي هو سنة الأعاجم.

وقد أفاد العامري في كلامه هذا الذي نقله شيخنا - فائدة قد أشرنا إليها فيما [ ص: 417 ] سبق، وهي تعميم القيام في قوله: "من سره أن يتمثل" ، سواء كان أقيم له قائما أو قاعدا، ولهذا حمل ذلك القيام الذي ورد الوعيد عليه، على القيام للمتكبرين، ومن يغضب أن [لا] يقام له، لا قيام المحبة ونحوها، كما كان من النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة - رضي الله عنها -، ومنها له.

ولا شك أن قيام كل واحد منهما ليس في حال قعود الآخر، فتدبر.

وبهذا تعرف أن قول شيخنا: إن حديث أبي أمامة لا يقوى على معارضة ما في "الصحيحين" ... إلخ غير مناسب، إذ لا تعارض بين مطلق ومقيد، إذ هو يحمل أحدهما على الآخر عند استلزام حكم المطلق أمرا منافيا لحكم المقيد; بأن يقيد المطلق بضد قيد المقيد; كما تقرر في الأصول، وما نحن فيه من هذا القبيل; فإن الأمر بالقيام المطلق ينافي المنهي عنه، مقيدا بالتعظيم إلا عند تقييده بضد قيد المقيد، وهو عدم التعظيم.

قال المحقق ابن الإمام في "شرح الغاية" في بحث الإطلاق والتقييد ما لفظه:

إلا إذا استلزم حكم المطلق بالاقتضاء أمرا ينافيه حكم المقيد، إلا عند تقييده بضد قيده، نحو: أعتق عني رقبة مع لا لملكين رقبة كافرة، فإنه يجب تقييد المطلق حينئذ بضد قيد المقيد، وهو الإيمان. انتهى.

ووازن هذا وزان ما نحن فيه.

وخلاصة البحث: أن القيام جائز مطلقا إلا لقصد التعظيم، سواء كان للوارد، أو للقاعد، مما ورد من الأدلة القاضية بالجواز، خاليا عن ذلك القيد; كحديث طلحة، وسعد، فهو دليل الجواز فيما عداه، تقييدا للمطلق بضد قيد المقيد كما سبق.

وما ورد منها قاضيا بالمنع، خاليا عن ذلك القيد; كحديث: "من أحب أن يتمثل له الناس" ... إلخ، فهو محمول على ذلك المقيد بقيد التعظيم، حمل المطلق على المقيد، تقييدا له بمثل قيده، لاتفاقهما سببا وحكما.

وما ورد منها دالا على الجواز; كحديث قيام النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة - رضي الله [ ص: 418 ] عنها -، وقيامها له مقيدا بقيد الإكرام ونحوه، فهو كذلك لذلك، وما ورد منها دالا على المنع مقيدا بقيد التعظيم; كحديث أبي أمامة، فهو أيضا كذلك لذلك.

هذا ما ظهر لي، ولا أقول إلا ما ثبت وتقرر. انتهى كلام الشوكاني -رضي الله عنه -، وقد حصل به التوفيق بين الأدلة التي استدل بها كل فريق.

وإذا ثبت أن القيام التعظيمي حرام للأحياء، فالقيام لأرواح الموتى على اعتقاد مجيئها أشد تحريما وسفاهة وجهلا.

وقد سمعنا أن المحتفلين بمولده صلى الله عليه وسلم إذا بلغوا إلى ذكر ولادته - عليه الصلاة والسلام -، قاموا قياما واسعا; لتعظيم روحه صلى الله عليه وسلم، زعما منهم أنه حاضر في هذا الوقت. ونعوذ بالله من الجنون والخبط.

وهذا الاعتقاد منهم مع هذا القيام التعظيمي يشبه الشرك عند من يعرف الأدلة وهو عالم بكيفية الاستدلال بها.

وأما من خبطهم الشيطان بالمس، فهذا عندهم غاية التبجيل، وكمال العقيدة الحسنة به صلى الله عليه وسلم.

ولا ريب أن هؤلاء أعظم حمر الكون في خفة العقول والنهى، وأشدها جهلا في تقليد الأهواء، أعاذنا الله من الحمق والطيش، ورزقنا في دار نعيمه رغد العيش.

وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه، ثم يجلس فيه، ولكن تفسحوا، وتوسعوا" متفق عليه.

وفي حديث واثلة بن الخطاب، قال: دخل رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد قاعد، فتزحزح له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الرجل: يا رسول الله! إن في المكان سعة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن للمسلم حقا إذا رآه أخوه أن يتزحزح له" رواه [ ص: 419 ] البيهقي في "شعب الإيمان" . والمراد بالتزحزح: التنحي من مكان هو فيه.

فالحديث الأول يدل على النهي عن إقامة الرجل من مجلسه لتعظيم نفسه عليه.

والثاني: يدل على جواز التنحي إكراما للوارد، لا على القيام للتعظيم.

قال الشوكاني في "الفتح الرباني" : قد كان السلف الصالح - من الصحابة والتابعين فمن بعدهم - أن يقعد الواصل منهم إلى مجلس من المجالس حيث ينتهي به المجلس.

وورد الأمر في الكتاب العزيز بأن يتفسح الجالسون لمن ورد إليهم إذا لم يبق له مجلس يجلس فيه، قال تعالى: إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم [المجادلة: 11].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يقيم الرجل الرجل" الحديث. وهو في "الصحيحين" ، وغيرهما.

والمنهي عنه إنما هو أن يقيم الرجل الرجل من مجلسه، ويجلس فيه.

وأما القيام ممن كان في صدر المجلس لمن يرد إليه بعده إكراما له; لكونه من أهل الفضل، أو العلم، أو كان أبا له، أو جدا، أو عما، أو أسن منه، فليس في هذا بدعة، ولا مكروه، ولا إثم على القائم، ولا على الذي كان القيام له، بل هو من الآداب الحسنة، والعادات المستحسنة.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقدم الأكبر سنا في أمور:

منها: التكلم، كما ثبت في "الصحيح" : أنه لما جاء إليه حويصة ومحيصة يكلمانه في شأن المقتول بخيبر، فأراد الأصغر منهما أن يبتدئ بالكلام، فقال له: "كبر كبر" ، والقصة مشهورة معروفة.

فهذا إرشاد منه صلى الله عليه وسلم، إلى تأدب الصغير للكبير.

وقد كان السلف الصالح من الصحابة، ومن بعدهم، يقدمون كبارهم، وساداتهم، وأمراءهم في كثير من الأمور، ويقتدون بهم، ويكلون ما ينوبهم [ ص: 420 ] إليهم، فلا يكون في القيام من المجلس لمن له فضيلة غير موجودة فيمن قام له كراهة، ولا إثم إذا قام طيبة بذلك نفسه غير مكروه، ولا محمول على ذلك، فإن فعل هذا كان متأدبا بأدب حسن، وإن ترك، فهو أحق بمجلسه الذي سبق إليه، لا يجوز لأحد أن يقعد فيه.

وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه إذا قام الرجل من مجلسه، ورجع إليه، أنه أحق به، كما في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة مشروطا بألا يكون الذي وقع التأثير له بصدر المجلس، راغبا في ذلك، ومحبا له، فإن كان كذلك، فهو غير ناج من الإثم.

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أحب أن يتمثل الناس له صفوفا، فليتبوأ مقعده من النار" .

وقال صلى الله عليه وسلم: "لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضا" أخرجه أبو داود.

وهذا القيام الذي تقومه الأعاجم، هو قيامهم على رؤوس ملوكهم، وأكابرهم، فالنهي منه صلى الله عليه وسلم عن هذا القيام، ووعيد من أحبه، وتكالب عليه، ليس إلا لكون فيه نوعا من محبة الشرف والترفع والتكبر.

ومن أحب القعود في صدور المجالس، وتنحي الناس له عنها، هو لا يكون منه ذلك إلا لهذه الأغراض الفاسدة، التي زجر الشارع عنها، وتوعد فاعلها.

وقد أخرج مسلم عن ابن عمر: أنه كان إذا قام له رجل من مجلسه، لم يجلس فيه، وهذا باب من ورعه - رضي الله عنه، ولا يلزم غيره. انتهى كلام الشوكاني - رحمه الله -.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث