الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون

ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين .

[ ص: 278 ] ويرسل عطف على القاهر ، فيعتبر المسند إليه مقدما على الخبر الفعلي ، فيدل على التخصيص أيضا بقرينة المقام ، أي هو الذي يرسل عليكم حفظة دون غيره . والقصر هنا حقيقي ، فلا يستدعي رد اعتقاد مخالف . والمقصود الإعلام بهذا الخبر الحق ليحذر السامعون من ارتكاب المعاصي .

ومعنى ( على ) في قوله " عليكم " الاستعلاء المجازي ، أي إرسال قهر وإلزام ، كقوله بعثنا عليكم عبادا لنا ، لأن سياق الكلام خطاب للمشركين كما علمت ، ومثله قوله تعالى كلا بل تكذبون بالدين وإن عليكم لحافظين .

وعليكم متعلق بـ يرسل ، فعلم أن المراد بحفظ الحفظة الإحصاء والضبط من قولهم : حفظت عليه فعله كذا . وهو ضد نسي . ومنه قوله تعالى وعندنا كتاب حفيظ . وليس هو من حفظ الرعاية والتعهد مثل قوله تعالى حافظات للغيب بما حفظ الله .

فالحفظة ملائكة وظيفتهم إحصاء أعمال العباد من خير وشر . وورد في الحديث الصحيح يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار الحديث .

وقوله إذا جاء أحدكم الموت غاية لما دل عليه اسم الحفظة من معنى الإحصاء ، أي فينتهي الإحصاء بالموت فإذا جاء الوقت الذي ينتهي إليه أجل الحياة توفاه الملائكة المرسلون لقبض الأرواح .

فقوله " رسلنا " في قوة النكرة لأن المضاف مشتق فهو بمعنى اسم المفعول فلا تفيده الإضافة تعريفا ، ولذلك فالمراد من الرسل التي تتوفى رسل غير الحفظة المرسلين على العباد ، بناء على الغالب في مجيء نكرة عقب نكرة أن الثانية غير الأولى . وظاهر قوله توفته رسلنا أن عددا من الملائكة يتولى توفي الواحد من الناس .

[ ص: 279 ] وفي الآية الأخرى قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ، وسمي في الآثار عزرائيل ، ونقل عن ابن عباس : أن لملك الموت أعوانا . فالجمع بين الآيتين ظاهر .

وعلق فعل التوفي بضمير أحدكم الذي هو في معنى الذات . والمقصود تعليق الفعل بحال من أحوال أحدكم المناسب للتوفي ، وهو الحياة ، أي توفت حياته وختمتها ، وذلك بقبض روحه .

وقرأ الجمهور توفته بمثناة فوقية بعد الفاء . وقرأ حمزة وحده ( توفاه رسلنا ) وهي في المصحف مرسومة بنتأة بعد الفاء فتصلح لأن تكون مثناة فوقية وأن تكون مثناة تحتية على لغة الإمالة . وهي التي يرسم بها الألفات المنقلبة عن الياءات . والوجهان جائزان في إسناد الفعل إلى جمع التكسير .

وجملة وهم لا يفرطون حال . والتفريط : التقصير في العمل والإضاعة في الذوات . والمعنى أنهم لا يتركون أحدا قد تم أجله ولا يؤخرون توفيه .

والضمير في قوله ردوا عائد إلى أحد باعتبار تنكيره الصادق بكل أحد ، أي ثم يرد المتوفون إلى الله . والمراد رجوع الناس إلى أمر الله يوم القيامة ، أي ردوا إلى حكمه من نعيم وعذاب ، فليس في الضمير التفات .

والمولى هنا بمعنى السيد ، وهو اسم مشترك يطلق على السيد وعلى العبد .

و " الحق " بالجر صفة لـ مولاهم ، لما في مولاهم من معنى مالكهم ، أي مالكهم الحق الذي لا يشوب ملكه باطل يوهن ملكه . وأصل الحق أنه الأمر الثابت فإن كل ملك غير ملك الخالقية فهو مشوب باستقلال مملوكه عنه استقلالا متفاوتا ، وذلك يوهن الملك ويضعف حقيته .

وجملة ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين تذييل ولذلك ابتدئ بأداة الاستفتاح المؤذنة بالتنبيه إلى أهمية الخبر . والعرب يجعلون التذييلات مشتملة على اهتمام أو عموم أو كلام جامع .

[ ص: 280 ] وقدم المجرور في قوله " له الحكم " للاختصاص ، أي له لا لغيره ، فإن كان المراد من الحكم جنس الحكم فقصره على الله إما حقيقي للمبالغة لعدم الاعتداد بحكم غيره ، وإما إضافي للرد على المشركين ، أي ليس لأصنامكم حكم معه ، وإن كان المراد من الحكم الحساب ، أي الحكم المعهود يوم القيامة ، فالقصر حقيقي . وربما ترجح هذا الاحتمال بقوله عقبه وهو أسرع الحاسبين أي ألا له الحساب ، وهو أسرع من يحاسب فلا يتأخر جزاؤه .

وهذا يتضمن وعدا ووعيدا لأنه لما أتي بحرف المهلة في الجمل المتقدمة وكان المخاطبون فريقين : فريق صالح وفريق كافر ، وذكر أنهم إليه يرجعون كان المقام مقام طماعية ومخالفة ; فالصالحون لا يحبون المهلة والكافرون بعكس حالهم ، فعجلت المسرة للصالحين والمساءة للمشركين بقوله وهو أسرع الحاسبين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث