الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ما ذكر في سهو الكلام دون عمده

[ ص: 209 ] [ ص: 210 ] 6 - ما ذكر في سهو الكلام دون عمده

إذا سلم أو تكلم المصلي أثناء الصلاة ساهيا - حديث أبي هريرة ناسخ للسهو في حديث ابن مسعود - حديث عمران بن حصين في سجود السهو - رأي الشافعي - مناقشة الأحاديث .

ذكر أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن القزويني ، حدثنا محمد بن الفضل الطبري ، أخبرنا محمد بن حميد ، حدثنا هارون بن المغيرة ، عن عنبسة ، عن الزبير بن عدي ، عن كلثوم بن المصطلق الخزاعي ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - عودني أن يرد علي السلام ، فأتيته ذات يوم ، فسلمت عليه ، فلم يرد علي ، وقال : إن الله - عز وجل - يحدث في أمره ما يشاء ؛ وقد أحدث لكم في هذه الصلاة أن لا يتكلمن أحد إلا بذكر الله - عز وجل - وما ينبغي من تحميده وتمجيده ، وقوموا لله قانتين .

والكلام في هذا الباب يجري على فصلين :

أحد الفصلين : في المنع عن مطلق الكلام ؛ سهوه وعمده .

والثاني : في اختصاص المنع بالعمد دون السهو .

أما الفصل الأول : فقد اتفق أهل العلم قاطبة على أن من يتكلم عامدا وهو لا يريد تعليم أحد ، أو إصلاح شيء أن صلاته باطلة ، وذهبوا إلى الأحاديث التي ذكرناها آنفا .

وأما الفصل الثاني : في السهو ؛ فقد اختلف أهل العلم في المصلي يسلم في صلاته ساهيا ، أو يتكلم ساهيا قبل أن يتم صلاته ، فذهبت طائفة إلى أنه إذا تكلم ساهيا يستأنف صلاته ، وإليه ذهب قتادة من البصريين ، وإبراهيم النخعي ، وحماد بن أبي سليمان ، وأبو حنيفة ، وأهل الكوفة ، وتمسكوا بظاهر حديث ابن مسعود ؛ لأنه مطلق ، فيتناول حالتي العمد والسهو .

[ ص: 211 ] وخالفهم في ذلك آخرون ، وقالوا : يبني على صلاته ولا إعادة عليه ، وروي ذلك عن عبد الله بن مسعود .

وسلم عبد الله بن الزبير في ركعتين ساهيا ، وبنى عليهما ، وسجد سجدتي السهو .

وقال ابن عباس : أصاب ، وبه قال عروة بن الزبير ، وعطاء ، والحسن البصري ، وقتادة في إحدى الروايتين عنه ، وعمرو بن دينار ، والثوري ، ونفر من أهل الكوفة ، والشافعي ، وأصحابه ، وأحمد ، وإسحاق ، وأكثر أهل الحجاز والشام .

وذهبوا في ذلك إلى حديث أبي هريرة ، ورأوه ناسخا للسهو في حديث ابن مسعود دون العمد ؛ لأنه آخر الحديثين .

أخبرني أبو مسلم محمد بن محمد بن الجنيد ، أخبرنا أبو سعد محمد بن عبد الله المطرز ، أخبرنا أحمد بن عبد الله ، أخبرنا سليمان بن أحمد ، حدثنا إسحاق ، أخبرنا عبد الرزاق ، عن مالك ، عن داود بن الحصين ، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد أنه قال : سمعت أبا هريرة يقول : صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسلم في ركعتين ، فقام ذو اليدين فقال : أقصرت الصلاة أم نسيت ؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : كل ذلك لم يكن . قال : قد كان بعض ذلك يا رسول الله . قال : فأقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - على الناس فقال : أصدق ذو اليدين ؟ قالوا : نعم . قال : فأتم النبي - صلى الله عليه وسلم - ما بقي من الصلاة ، ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد ما سلم .

[ ص: 212 ] أخرجه مسلم في الصحيح عن قتيبة ، عن مالك ، وله طرق في الصحاح .

أخبرنا عبد المنعم بن عبد الله بن محمد ، أخبرنا أبو بكر عبد الغفار بن محمد ، أخبرنا أحمد بن الحسن الحرشي ، أخبرنا محمد بن يعقوب ، أخبرنا الربيع ، أخبرنا الشافعي ، أخبرنا عبد الوهاب الثقفي ، عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن أبي المهلب ، عن عمران بن حصين ، قال : سلم النبي - صلى الله عليه وسلم - في ثلاث ركعات من العصر ، ثم قام فدخل الحجرة ، فقام الخرباق - رجل بسيط اليدين - فنادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أقصرت الصلاة ؟ فخرج مغضبا يجر رداءه ، فأخبر ، فصلى تلك الركعة التي كان ترك ، ثم سلم ، ثم سجد سجدتي السهو ، ثم سلم

رواه مسلم في الصحيح عن إسحاق بن إبراهيم ، عن عبد الوهاب .

أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد الحافظ في كتابه ، أخبرنا المبارك بن عبد الجبار الصيرفي ، أخبرنا المحاملي ، أخبرنا الدارقطني ، وذكر عن القاضي أحمد بن إسحاق قال : قال أبي : قال الشافعي : إنما نهى رسول [ ص: 213 ] الله - صلى الله عليه وسلم - عن الكلام في الصلاة في العمد ، وهذا الحديث بمكة - يعني حديث ابن مسعود - وحديث ذي اليدين بالمدينة ؛ فهو ناسخ .

أخبرني أبو المحاسن محمد بن علي الزاهد ، أخبرنا زاهر بن أبي عبد الرحمن المستملي ، أخبرنا أحمد بن الحسين ، أخبرني محمد بن عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو العباس ، أخبرنا الربيع قال : قال الشافعي - بعد ذكر حديث أبي هريرة ، وعمران بن حصين ، وابن عمر ، ومعاوية بن خديج في كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاته ساهيا - : وبهذا كله نأخذ ، وليس بخلاف حديث ابن مسعود وحديث ذي اليدين ، فحديث ابن مسعود في الكلام جملة ، ودل حديث ذي اليدين على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرق بين كلام العمد والناسي ؛ لأنه في صلاة ، وهو يرى أنه أكمل الصلاة ، فخالفنا بعض الناس وقال : حديث ذي اليدين ثابت ، ولكنه منسوخ . فقلت : وما ناسخه ؟ فقال : حديث ابن مسعود . فقلت له : والناسخ له إذا اختلف الحديثان الآخر منهما ؟ قال : نعم . فقلت له : ألست تحفظ في حديث ابن مسعود ؛ هذا أن ابن مسعود مر على النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة قال : فوجدته يصلي في فناء الكعبة ، وأن ابن مسعود هاجر إلى أرض الحبشة ، ثم رجع إلى مكة ، ثم هاجر إلى المدينة وشهد بدرا ؟ قال : بلى . فقلت له : إذا كان مقدم ابن مسعود على النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة قبل الهجرة ، ثم كان عمران بن الحصين يروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل في مسجده إلا بعد هجرته من مكة ؟ قال : بلى . قلت : فحديث عمران يدلك على أن حديث ابن مسعود ليس بناسخ لحديث ذي اليدين . [ ص: 214 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث