الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " ويكفر عنكم من سيئاتكم "

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

القول في تأويل قوله ( ويكفر عنكم من سيئاتكم )

قال أبو جعفر : اختلف القرأة في قراءة ذلك .

فروي عن ابن عباس أنه كان يقرؤه : " وتكفر عنكم " بالتاء .

ومن قرأه كذلك ، فإنه يعني به : وتكفر الصدقات عنكم من سيئاتكم .

وقرأ آخرون : ( ويكفر عنكم ) بالياء ، بمعنى : ويكفر الله عنكم بصدقاتكم - على ما ذكر في الآية - من سيئاتكم . [ ص: 585 ]

وقرأ ذلك بعد عامة قراء أهل المدينة والكوفة والبصرة ، " ونكفر عنكم " بالنون وجزم الحرف ، يعني : وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء نكفر عنكم من سيئاتكم بمعنى : مجازاة الله - عز وجل - مخفي الصدقة بتكفير بعض سيئاته بصدقته التي أخفاها .

قال أبو جعفر : وأولى القراءات في ذلك عندنا بالصواب قراءة من قرأ : " ونكفر عنكم " بالنون وجزم الحرف ، على معنى الخبر من الله عن نفسه أنه يجازي المخفي صدقته من التطوع ابتغاء وجهه من صدقته بتكفير سيئاته . وإذا قرئ كذلك فهو مجزوم على موضع " الفاء " في قوله : " فهو خير لكم " ؛ لأن " الفاء " هنالك حلت محل جواب الجزاء .

فإن قال لنا قائل : وكيف اخترت الجزم على النسق على موضع " الفاء " وتركت اختيار نسقه على ما بعد الفاء ، وقد علمت أن الأفصح من الكلام في النسق على جواب الجزاء الرفع ، وإنما الجزم تجويزه ؟ .

قيل : اخترنا ذلك ليؤذن بجزمه أن التكفير - أعني تكفير الله من سيئات المصدق لا محالة داخل فيما وعد الله المصدق أن يجازيه به على صدقته ؛ لأن ذلك إذا جزم مؤذن بما قلنا لا محالة ، ولو رفع كان قد يحتمل أن يكون داخلا فيما وعده الله أن يجازيه به ، وأن يكون خبرا مستأنفا أنه يكفر من سيئات عباده المؤمنين ، على غير المجازاة لهم بذلك على صدقاتهم ؛ لأن ما بعد " الفاء " في جواب الجزاء استئناف ، فالمعطوف على الخبر المستأنف في حكم المعطوف عليه في أنه غير داخل في الجزاء ، ولذلك من العلة ، اخترنا جزم " نكفر " عطفا به على موضع [ ص: 586 ] الفاء من قوله : " فهو خير لكم " وقراءته بالنون .

فإن قال قائل : وما وجه دخول " من " في قوله : " ونكفر عنكم من سيئاتكم " قيل : وجه دخولها في ذلك بمعنى : ونكفر عنكم من سيئاتكم ما نشاء تكفيره منها دون جميعها ؛ ليكون العباد على وجل من الله فلا يتكلوا على وعده ما وعد على الصدقات التي يخفيها المتصدق فيجترئوا على حدوده ومعاصيه .

وقال بعض نحويي البصرة : معنى " من " الإسقاط من هذا الموضع ، ويتأول معنى ذلك : ونكفر عنكم سيئاتكم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث