الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الإقامة واحدة إلا قوله قد قامت الصلاة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 418 ] 3 - باب

الإقامة واحدة ، إلا قوله : " قد قامت الصلاة"

582 607 - ثنا علي بن عبد الله : ثنا إسماعيل بن إبراهيم : ثنا خالد ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، قال : أمر بلال أن يشفع الأذان ، وأن يوتر الإقامة .

قال إسماعيل : فذكرت لأيوب فقال : إلا الإقامة .

التالي السابق


قد تقدم هذا الحديث من حديث خالد وأيوب ، عن أبي قلابة .

وقول أيوب : " إلا الإقامة " ، مراده : أن الحديث فيه هذه اللفظة ، ولكن لم يذكر سندها ، وقد ذكر سندها عنه سماك بن عطية - على ما تقدم في الباب الذي قبله - وأن أيوب رواها عن أبي قلابة ، عن أنس .

وقد تابعه - أيضا - معمر ، عن أيوب . خرج حديثه الإسماعيلي في " صحيحه " من حديث عبد الرزاق : أبنا معمر ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، قال : كان بلال يثني الأذان ويوتر الإقامة ، ويقول : " قد قامت الصلاة ، قد قامت الصلاة" - مرتين . وفي رواية له - أيضا قوله : " قد قامت الصلاة" .

وفي الباب : عن ابن عمر من رواية شعبة ، عن أبي جعفر مؤذن مسجد العريان ، قال : سمعت أبا المثنى مؤذن مسجد الأكبر يقول : سمعت ابن عمر قال : إنما كان الأذان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - مرتين مرتين ، والإقامة مرة مرة ، غير أنه يقول : " قد قامت الصلاة ، قد قامت الصلاة" فإذا سمعنا الإقامة توضأنا ، ثم خرجنا إلى الصلاة .

خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في [ ص: 419 ] " صحيحيهما " والحاكم ، وصححه .

وقال : أبو جعفر ، هو : عمير بن يزيد الخطمي .

ووهم في ذلك ، إنما هو : أبو جعفر محمد بن إبراهيم بن مسلم بن أبي المثنى ، وقد ينسب إلى جده مسلم أبي المثنى ، وثقه ابن معين وابن حبان . وقال : ابن معين - مرة - : لا بأس به .

كذا ذكره ابن حبان وأبو أحمد الحاكم وابن عقدة والدارقطني وغيرهم .

وفرق بينهما غير واحد ، منهم : مسلم في " كتاب الكنى " ، وذكر أبا جعفر هذا ممن لا يعرف اسمه . وأن محمد بن إبراهيم يكنى أبا إبراهيم .

وكذا ذكر ابن أبي حاتم أن أبا جعفر هذا ليس هو محمد بن إبراهيم بن مسلم ، بل قال في ذاك : " يكنى أبا إبراهيم " ، وقال في أبي جعفر هذا : " سئل أبو زرعة عنه فقال : هو كوفي لا أعرفه إلا في هذا الحديث " .

قال : " وقلت لأبي : روى عيسى بن يونس عن شعبة ، فقال : عن أبي جعفر القاري ؟ فقال : أخطأ عيسى بن يونس ، ليس هذا أبو جعفر القاري ، هذا كوفي ، والقاري مديني " . انتهى .

ورواه أبو داود الطيالسي ، عن شعبة ، عن أبي جعفر - وليس بالفراء .

وكذا قال أبو حاتم الرازي : ليس بالفراء .

وخرجه البيهقي من طريق أبي النضر ، عن شعبة ، عن أبي جعفر - يعني : الفراء .

كذا قال ، وهو من ظن بعض الرواة ، وليس هذا بالفراء ، الفراء اسمه : [ ص: 420 ] كيسان أو سلمان ، وهو غير هذا .

قال البيهقي : ورواه غندر وعثمان بن جبلة ، عن شعبة ، عن أبي جعفر المديني .

قلت : هذا يوافق قول الحاكم : أنه أبو جعفر الخطمي الأنصاري .

وقال الحافظ أبو نعيم : أبو جعفر ، اسمه : مسلم .

كذا رأيته ذكره في " الحلية " ، وليس بشيء ، إنما مسلم هو شيخه أبو المثنى .

وخرجه الإمام أحمد ، عن حجاج : حدثنا شعبة ، قال : سمعت أبا جعفر مؤذن مسجد بني العريان في مسجد بني بلال يحدث ، عن مسلم أبي المثنى مؤذن مسجد الجامع - فذكر هذا الحديث .

وأما أبو المثنى فاسمه : " مسلم " ، ويقال : " مهران " - : ذكره مسلم بن الحجاج في " كتاب الكنى " ، وفي تسميته اختلاف وهو مؤذن مسجد الكوفة .

وهو عند ابن معين وابن عقدة : والد أبي جعفر - : نقله عنه عباس الدوري .

وهو عند الدارقطني وابن حبان : ابن ابنه .

وعند أبي زرعة ومسلم وابن أبي حاتم : أنه ليس بينهما نسب .

وثقه أبو زرعة وابن حبان . وقال الدارقطني : لا بأس به .

وقد روى هذا الحديث إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي المثنى ، فخالف شعبة في رفعه ووقفه .

ذكره البخاري في " تاريخه " ، وقال : قال وكيع ، عن ابن أبي خالد ، عن المثنى - أو أبي المثنى - عن ابن عمر ، قال : إذا قمت فاجعلها واحدة .

وقال عارم : ثنا عبد العزيز بن مسلم ، عن إسماعيل ، عن المثنى ، عن أبيه ، عن ابن عمر - مثله . انتهى ما ذكره .

[ ص: 421 ] وفي رواية عبد العزيز ، عن إسماعيل : زيادة رجل ، وهو المثنى .

وقال ابن معين : إسماعيل بن أبي خالد يروي عن أبي المثنى الكوفي ، وهو هذا - يعني : الذي روى عنه شعبة .

وخرج ابن أبي شيبة في " كتابه " : ثنا أبو معاوية ، عن حجاج ، عن أبي المثنى ، عن ابن عمر ، قال : كان بلال يشفع الأذان ويوتر الإقامة .

وهذا في معنى رفع الحديث ، كما رواه شعبة .

قال : وثنا عبدة ، عن إسماعيل ، عن أبي المثنى ، أن ابن عمر كان يأمر المؤذن يشفع الأذان ويوتر الإقامة ، ليعلم المار الأذان من الإقامة .

وقد رواه الإمام أحمد - فيما رواه عنه ابنه عبد الله في " كتاب العلل " - عن وكيع كما ذكره البخاري .

ورواه أحمد - أيضا - عن محمد بن يزيد ، عن إسماعيل ، عن المثنى ، عن ابن عمر - مثله .

وعن محمد بن يزيد ، عن حجاج ، عن أبي المثنى ، عن ابن عمر - نحوه .

وذكر - أيضا - حديث شعبة ، عن أبي جعفر المتقدم .

وروى أحمد - أيضا - عن وكيع ، [ عن الثوري ] ، عن أبي جعفر المؤذن ، عن [ أبي ] سلمان ، عن أبي محذورة .

وعن عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان - أيضا .

قال عبد الرحمن : ليس هو الفراء - يعني : أبا جعفر .

وهذا إشارة إلى اختلاف آخر على أبي جعفر ، عن أبي محذورة ، أنه كان [ ص: 422 ] إذا بلغ : " حي على الفلاح " في الفجر ، قال : " الصلاة خير من النوم" - مرتين .

وخرجه أبو نعيم في " كتاب الصلاة " عن سفيان ، عن أبي جعفر الفراء - فذكره بمعناه .

وقد تقدم أن أبا جعفر ليس بالفراء ، بل هو المؤذن .

وخرجه النسائي من طرق عن سفيان ، ولفظ حديثه : عن أبي محذورة ، قال : كنت أؤذن للنبي - صلى الله عليه وسلم - فكنت أقول في أذان الفجر الأول : " حي على الصلاة ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، حي على الفلاح ، الصلاة خير من النوم ، الصلاة خير من النوم ، الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله " .

وقال : أبو جعفر ليس بالفراء .

وقد روي عن أبي محذورة : الأذان مثنى مثنى ، والإقامة مرة مرة من طرق غير قوية .

وروي عنه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علمه الإقامة مثنى مثنى .

خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث همام ، عن عامر الأحول ، عن مكحول ، عن ابن محيريز ، عن أبي محذورة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علمه الأذان تسع عشرة كلمة ، والإقامة سبع عشرة كلمة .

وصححه الترمذي .

وخرجه مسلم من رواية هشام الدستوائي ، عن عامر ، ولم يذكر فيه الإقامة ، ولا عدد كلمات الأذان ، بل ذكره مفصلا ، والتكبير في أوله مرتين .

وفي رواية : تمام التكبير في أوله أربعا .

[ ص: 423 ] واختلف العلماء في صفة الإقامة على أقوال :

أحدها : أنها فرادى سوى التكبير فإنه مرتين في أولها وآخرها ، وهذا قول مالك والليث والشافعي في القديم .

وممن روي عنه الأمر بإفراد الإقامة : ابن عمر وسلمة بن الأكوع وعطاء والحسن وعمر بن عبد العزيز وعروة ، ومكحول والزهري ، وقالا : مضت السنة بذلك .

وقال بكير بن الأشج : أدركت أهل المدينة على ذلك .

والقول الثاني : أنه تفرد الإقامة سوى التكبير ، وكلمة الإقامة فإنها تثنى ، وهو المشهور من مذهب الشافعي وقول أحمد وإسحاق . وروي عن الحسن ومكحول والزهري والأوزاعي .

وللشافعية وجه - ومنهم من حكاه قولا - : أنه يفرد التكبير - أيضا - في أول الإقامة وآخرها ، مع إفراد لفظ الإقامة .

ولهم قول آخر : أنه يفرد التكبير في آخرها خاصة ، مع لفظ الإقامة .

والثالث : أن الإقامة كالأذان مثنى مثنى ؛ لحديث أبي محذورة .

وروي - أيضا - من حديث ابن أبي ليلى ، عن معاذ وعن بلال وعن أصحاب محمد ، كما سبق ذكر الاختلاف عنه .

وهو قول الكوفيين : النخعي والثوري والحسن بن صالح وأبي حنيفة وأصحابه وأبي بكر بن أبي شيبة ، وهو قول مجاهد وابن المبارك .

وروي عن علي ، وذكره حجاج بن أرطاة ، عن أبي إسحاق ، عن أصحاب علي وابن مسعود .

وروي - أيضا - عن سلمة بن الأكوع .

[ ص: 424 ] وقال النخعي : لا بأس إذا بلغ " حي على الصلاة ، حي على الفلاح " أن يقولها مرة مرة .

ولو أن الأذان يؤذن فأقام ، فقال النخعي والشعبي : يعيد الأذان .

وقال الثوري : يجعل إقامته إذا قام [ . . . ] .

ومذهب مالك : أنه يعيد الأذان ؛ لكنه يرى الإقامة فرادى .

والرابع : أنه يجوز تثنية الإقامة وإفرادها ، والإفراد أفضل ، وهو قول أحمد وإسحاق وداود الظاهري وجماعة من فقهاء أهل الحديث ؛ لورود الحديث بذلك كله .

وكذا قال ابن خزيمة ؛ لكنه قال : يجوز الترجيع في الأذان مع تثنية الإقامة ، وتثنية الأذان بغير ترجيع مع إفراد الإقامة .

فأما تثنية الأذان من غير ترجيع وتثنية الإقامة ، فلم يصح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم .

والخامس : إن أذن وأقام أفرد الإقامة ، وإن صلى وحده ، وإن اقتصر على الإقامة ثناها لتكون له تأذينا ، روي ذلك عن أبي العالية وسليمان بن موسى ، ونقله حرب عن إسحاق .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث