الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                              الآية الرابعة عشرة قوله تعالى : { يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم [ ص: 121 ] سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } . فيها إحدى عشرة مسألة :

                                                                                                                                                                                                              المسألة الأولى : في سبب نزولها : فيه ثلاثة أقوال :

                                                                                                                                                                                                              الأول : أنها نزلت في شأن { أبي لبابة حين أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة فخانه } .

                                                                                                                                                                                                              الثاني : نزلت في شأن { بني قريظة والنضير ، وذلك أنهم شكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا له : إن النضير يجعلون خراجنا على النصف من خراجهم . ويقتلون منا من قتل منهم ، وإن قتل أحد منهم أحدا منا ودوه أربعين وسقا من تمر } .

                                                                                                                                                                                                              الثالث : أنها نزلت في { اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له : إن رجلا منا وامرأة زنيا ; فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما تجدون في التوراة في شأن الرجم ؟ فقالوا : نفضحهم ويجلدون . قال عبد الله بن سلام : كذبتم ، إن فيها آية الرجم ، فأتوا بالتوراة ، فأتوا بها فوضع أحدهم يده على آية الرجم ، فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله بن سلام : ارفع يدك . فرفع يده ، فإذا آية الرجم تلوح . فقالوا : صدق يا محمد ، فيها آية الرجم . فأمر [ ص: 122 ] بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما } . هكذا رواه مالك [ والبخاري ] ومسلم والترمذي وأبو داود . قال أبو داود عن جابر بن عبد الله : { إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم : ائتوني أعلم رجلين فيكم فجاءوا بابني صوريا ، فنشدهما الله كيف تجدان أمر هذين في التوراة قالا : نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها كالمرود في المكحلة رجما . قال : فما يمنعكما أن ترجموهما ؟ قال : ذهب سلطاننا ، فكرهنا القتل . فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بالشهود ، فجاءوا فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة . فأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمهما فرجما } .

                                                                                                                                                                                                              المسألة الثانية : في المختار من ذلك : وأما من قال : إنها في شأن أبي لبابة وما قال علي عن النبي لبني قريظة فضعيف لا أصل له . وأما من قال : إنها نزلت في شأن قريظة والنضير ، وما شكوه من التفضيل بينهم فإنه ضعيف ; لأن الله تعالى أخبر أنه كان تحكيما منهم للنبي صلى الله عليه وسلم لا شكوى . والصحيح ما رواه الجماعة ، عن عبد الله بن عمر ، وجابر بن عبد الله ، كلاهما في وصف القصة كما تقدم أن اليهود جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحكموه ، فكان ما ذكرنا في الأمر .

                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية