الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


المسألة العاشرة : إذا انعقدت اليمين كما قدمنا حلتها الكفارة أو الاستثناء ، وكلاهما رخصة من الله سبحانه .

فأما الاستثناء فقال العلماء : إنه يكون متصلا باليمين واختلف فيه على ثلاثة أقوال : الأول : أنه يكون متصلا باليمين نسقا عليها لا يكون متراخيا عنها .

الثاني : قال محمد بن المواز : يكون مقترنا باليمين اعتقادا أو بآخر حرف منها ، فإن بدا له بعد الفراغ منها فاستثنى لم ينفعه ذلك .

الثالث : أنه يدرك اليمين الاستثناء [ ولو ] بعد سنة ; قاله ابن عباس وتعلق بقوله تعالى : { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر } إلى آخر الآية إلى قوله : { مهانا } فإنها نزلت ، فلما كان بعد عام نزل قوله تعالى : { إلا من تاب } . وأما قول محمد فإنه ينبني على أن الاستثناء هل يحل اليمين بعد عقدها [ أو يمنعها من الانعقاد ؟ والصحيح أنه موضوع لحل اليمين ] ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إني والله إن شاء الله } [ فجاء ] فيها بالاستثناء بعد اليمين لفظا فكذلك يكون عقدا .

وأما قول ابن عباس فخارج عن اللغة . وأما قوله تعالى : { إلا من تاب } فإن الآيتين كانتا متصلتين في علم الله تعالى وفي لوحه ; وإنما تأخر نزولها لحكمة علم الله تعالى ذلك فيها ، فلا يتعلق بها ; أما إنه [ ص: 154 ] يتركب عليها فرع حسن ، وهو أن الحالف إذا قال : والله لا دخلت الدار ، أو أنت طالق إن دخلت الدار ، واستثنى في يمينه الأول إن شاء الله في قلبه ، واستثنى في اليمين الثانية في قلبه أيضا ما يصلح للاستثناء الذي يرفع اليمين لمدة ولسبب أو لمشيئة أحد ، ولم يظهر شيئا من الاستثناء إرهابا على المحلوف له ، فإن ذلك ينفعه ولا ينعقد اليمينان عليه وهذا في الطلاق ما لم تحضره البينة ، فإن حضرته بينة لم يقبل منه دعواه ، لئلا يكون ندما .

وقد تيقنا التحريم بوقوع الطلاق ، فلا ينفعه دعواه الاستثناء ، وإنما يكون ذلك نافعا له وحده إذا جاء مستفتيا . نكتة : كان أبو الفضل المراغي يقرأ بمدينة السلام ، فكانت الكتب تأتي إليه من بلده ، فيضعها في صندوق ، ولا يقرأ منها واحدا مخافة أن يطلع فيها على ما يزعجه أو يقطع به عن طلبه ، فلما كان بعد خمسة أعوام ، وقضى غرضا من الطلب ، وعزم على الرحيل شد رحله ، وأبرز كتبه ، وأخرج تلك الرسائل وقرأ منها ما لو أن واحدة منها قرأها في وقت وصولها ما تمكن بعدها من تحصيل حرف من العلم ، فحمد الله تعالى ، ورحل على دابته قاشه ، وخرج إلى باب الحلبة طريق خراسان ، وتقدمه الكري بالدابة ، وأقام هو على فامي يبتاع منه سفرته ; فبينما هو يحاول ذلك معه إذ سمعه يقول لفامي آخر : أي فل ، أما سمعت العالم يقول يعني الواعظ : إن ابن عباس يجوز الاستثناء ولو بعد سنة ، لقد اشتغل بالي بذلك منه منذ سمعته يقوله : وظللت فيه متفكرا ; ولو كان ذلك صحيحا لما قال الله تعالى لأيوب : { وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث } . وما الذي كان يمنعه من أن يقول حينئذ : قل إن شاء الله ؟ فلما سمعته يقول ذلك قلت : بلد يكون الفاميون به من العلم في هذه المرتبة أخرج عنه إلى المراغة ؟ لا أفعله أبدا ; واقتفى أثر الكري ، وحلله من الكراء ، وصرف رحله . وأقام بها حتى مات رحمه الله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث