الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الأمر بالوضوء لمن مس القرآن

كتاب القرآن

باب الأمر بالوضوء لمن مس القرآن

حدثني يحيى عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم أن لا يمس القرآن إلا طاهر قال مالك ولا يحمل أحد المصحف بعلاقته ولا على وسادة إلا وهو طاهر ولو جاز ذلك لحمل في خبيئته ولم يكره ذلك لأن يكون في يدي الذي يحمله شيء يدنس به المصحف ولكن إنما كره ذلك لمن يحمله وهو غير طاهر إكراما للقرآن وتعظيما له قال مالك أحسن ما سمعت في هذه الآية لا يمسه إلا المطهرون إنما هي بمنزلة هذه الآية التي في عبس وتولى قول الله تبارك وتعالى كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة [ ص: 3 ]

التالي السابق


[ ص: 3 ] بسم الله الرحمن الرحيم

15 - كتاب القرآن

1 - باب الأمر بالوضوء لمن مس القرآن

468 470 - ( مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر ) بن محمد بن عمرو ( بن حزم : أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، لعمرو بن حزم ) بن زيد بن لوذان الأنصاري ، شهد الخندق فما بعدها وكان عامل النبي ، صلى الله عليه وسلم ، على نجران ، مات بعد الخمسين ، وقيل : في خلافة عمر وهو وهم : ( أن لا يمس القرآن إلا طاهر ) أي متوضئ ، قال الباجي : هذا أصل في كتابة العلم وتحصينه في الكتب ، وصحة الرواية على وجه المناولة ; لأنه ، صلى الله عليه وسلم ، دفعه إليه وأمره بالعمل بما فيه

وقال ابن عبد البر : لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث ، وقد روي مسندا من وجه صالح ، وهو كتاب مشهور ، عند أهل السير ، معروف عند أهل العلم معرفة يستغنى بها في شهرتها عن الإسناد ; لأنه أشبه المتواتر في مجيئه لتلقي الناس له بالقبول ، ولا يصح عليهم تلقي ما لا يصح ، انتهى .

وتابع مالكا على إرساله محمد بن إسحاق عند البيهقي ، وهو حديث طويل فيه أحكام ، قال البيهقي : ورواه سليمان بن داود ، عن الزهري ، عن أبي بكر بن محمد ، عن أبيه ، عن جده ، موصولا بزيادات كثيرة في الزكاة والديات ، وغير ذلك ، ونقص عما ذكرنا

( قال مالك : ولا يحمل أحد المصحف بعلاقته ) بكسر العين : حمالته التي يحمل بها ، ( ولا على وسادة إلا وهو طاهر ) ، وبه قال الشافعي ، وقال أبو حنيفة : لا بأس بذلك [ ص: 4 ] ( ولو جاز ذلك لحمل في خبيئته ) جلده الذي يخبأ فيه مع أنه لا يجوز ، فقياسه منعه بالعلاقة والوسادة إذ لا فارق ( ولم يكره ذلك لأن ) أي ليست علة الكراهة بمعنى التحريم لأجل أن ( يكون في يدي الذي يحمله شيء يدنس به المصحف ) ; إذ لو كان كذلك لجاز إذا كانتا نظيفتين لانتفاء المعلول بانتفاء علته ، ( ولكن إنما كره ذلك ) كراهة تحريم ( لمن يحمله وهو غير طاهر ، إكراما للقرآن وتعظيما له ) ، فيستوي في ذلك من في يديه دنس ومن لا ، ( قال مالك : أحسن ما سمعت في هذه الآية ) التي هي ( لا يمسه إلا المطهرون ) ، إنما هي بمنزلة هذه الآية التي في عبس ) : تطلب وجهه ، ( وتولى ) : أعرض ، وهي ( قول الله تبارك وتعالى : ( كلا ) : لا تفعل مثل ذلك ( إنها ) : أي السورة أو الآيات ( تذكرة ) : عظة للخلق ( فمن شاء ذكره ) : حفظ ذلك فاتعظ به ( في صحف ) : خبر ثان ; لأنها وما قبله اعتراض ( مكرمة ) : عند الله ( مرفوعة ) : في السماء ( مطهرة ) : منزهة عن مس الشياطين ( بأيدي سفرة ) : كتبة ينسخونها من اللوح المحفوظ ( كرام بررة ) : مطيعين لله تعالى وهم الملائكة

قال الباجي : ذهب مالك في تأويل آية ( لا يمسه إلا المطهرون ) ( سورة الواقعة : الآية : 79 ) إلى أنه خبر عن اللوح المحفوظ ، وذهب جماعة من أصحابنا إلى أن المراد به المصاحف التي بأيدي الناس ، وأنه خبر بمعنى النهي ; لأن خبر الله تعالى لا يكون خلافه ، وقد وجد من يمسه غير طاهر ، فثبت أن المراد به النهي ، قال : وأدخل مالك تفسير هذه الآية في هذا الباب وليس يقتضي تأويله لها بالأمر بالوضوء لأحد معنيين : أحدهما أنه أدخل أول الباب ما يدل على مذهبه في الأمر بالوضوء لمس القرآن ، وأدخل في آخره ما يحتج به مخالفه ، فأتى به وبين وجه ضعفه . والثاني : أنه تأوله على معنى الاحتجاج لمذهبه ; لأن الله وصف القرآن بأنه كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون ، فعظمه ، والقرآن المكنون في اللوح المحفوظ هو المكتوب في مصاحفنا ، فوجب أن يمتثل فيها ما وصف الله القرآن به ، انتهى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث