الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                        أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون

                                                                                                                                                                                                                                        يحث تعالى، المكذبين لرسولهم، على السير في الأرض، بأبدانهم، وقلوبهم وسؤال العالمين. فينظروا نظر فكر واستدلال، لا نظر غفلة وإهمال.

                                                                                                                                                                                                                                        كيف كان عاقبة الذين من قبلهم من الأمم السالفة، كعاد، وثمود وغيرهم، ممن كانوا أعظم منهم قوة وأكثر أموالا وأشد آثارا في الأرض من الأبنية الحصينة، والغراس الأنيقة، والزروع الكثيرة فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون حين جاءهم أمر الله، فلم تغن عنهم قوتهم، ولا افتدوا بأموالهم، ولا تحصنوا بحصونهم.

                                                                                                                                                                                                                                        ثم ذكر جرمهم الكبير فقال: فلما جاءتهم رسلهم بالبينات من الكتب الإلهية، والخوارق العظيمة، والعلم النافع المبين للهدى من الضلال، والحق من الباطل فرحوا بما عندهم من العلم المناقض لدين الرسل.

                                                                                                                                                                                                                                        ومن المعلوم، أن فرحهم به، يدل على شدة رضاهم به، وتمسكهم، ومعاداة الحق، الذي جاءت به الرسل، وجعل باطلهم حقا، وهذا عام لجميع العلوم، التي نوقض بها، ما جاءت به الرسل، ومن أحقها بالدخول في هذا، علوم الفلسفة، والمنطق اليوناني، الذي ردت به كثير من آيات القرآن، ونقصت قدره في القلوب، وجعلت أدلته اليقينية القاطعة، أدلة لفظية، لا تفيد شيئا من اليقين، ويقدم عليها عقول أهل السفه والباطل، وهذا من أعظم الإلحاد في آيات الله، والمعارضة لها، والمناقضة، فالله المستعان.

                                                                                                                                                                                                                                        وحاق بهم أي: نزل ما كانوا به يستهزئون من العذاب.

                                                                                                                                                                                                                                        فلما رأوا بأسنا أي: عذابنا، أقروا حيث لا ينفعهم الإقرار قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين من الأصنام والأوثان، وتبرأنا من كل ما خالف الرسل، من علم أو عمل.

                                                                                                                                                                                                                                        [ ص: 1563 ] فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا أي: في تلك الحال، وهذه سنت الله وعادته التي قد خلت في عباده أن المكذبين حين ينزل بهم بأس الله وعقابه إذا آمنوا، كان إيمانهم غير صحيح، ولا منجيا لهم من العذاب، وذلك لأنه إيمان ضرورة، قد اضطروا إليه، وإيمان مشاهدة، وإنما الإيمان النافع الذي ينجي صاحبه، هو الإيمان الاختياري، الذي يكون إيمانا بالغيب، وذلك قبل وجود قرائن العذاب.

                                                                                                                                                                                                                                        وخسر هنالك أي: وقت الإهلاك، وإذاقة البأس الكافرون دينهم ودنياهم وأخراهم، ولا يكفي مجرد الخسارة، في تلك الدار، بل لا بد من خسران يشقي في العذاب الشديد، والخلود فيه، دائما أبدا.

                                                                                                                                                                                                                                        تم تفسير سورة المؤمن بحمد الله ولطفه ومعونته، لا بحولنا وقوتنا، فله الشكر والثناء

                                                                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية